وثيقة..
كل الذين تتبعوا عبر العالم مباشرة جلسة التصويت بمجلس الأمن يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 الخاصة بملف قضية الصحراء، سجلوا بتقدير كبير الكلمة العفوية البليغة للممثل الدائم للمغرب بالأمم المتحدة السيد عمر هلال ردا على مداخلة ممثل الجزائر الذي كان مفروضا أصلا أن لا يتقدم لتناول الكلمة، عدا أنه قدم الدليل الفعلي أمام المنتظم الدولي أن الجزائر طرف في القضية عكس ما تظل تردده كذبا.. فهي أصل المشكل ومهندسة العدوان منذ خمسين سنة..
كلمة السيد عمر هلال مفحمة، مقنعة، صلبة، مسنودة وقوية، تليق أن تبقى شهادة للتاريخ..
هنا النص الكامل لها كما ترجمته من الفرنسية إلى العربية (أتحمل مسؤولية أية أخطاء ممكنة فيها وأعتذر عنها).
كلمة عمر هلال
أعترف لكم السيدة الرئيسة أنني لم أكن أنتظر أن أتناول الكلمة هنا، لسبب بسيط هو أنه على مدى سنوات كان القرار يتخذ (بمجلس الأمن) بدون حضور الطرفين (الأساسيين) المغرب والجزائر.
لقد تم اليوم خرق هذا التقليد، وأنا مدين لأخي سفير الجزائر كونه قرر أخد الكلمة، حتى ينتبه مجلس الأمن بل والعالم كله من المسؤول فعلا عن المشكل. بل أن يدرك أساسا كذب ادعاء الجزائر أنها ليست طرفا، أنها ليست معنية، أنها غير مهتمة، أنها مجرد ملاحظ.
هنا أحب أن أطرح سؤالا على أخي الجزائري:
بأي صفة تقومون بإعطاء دروس لمجلس الأمن؟ تتطاولون على صفة أعضاء مجلس الأمن؟. تتحدثون عن القانون الدولي، عن تقرير المصير، عن الوضعية الإنسانية، بأي حق تقومون بذلك؟.
هناك في هيئة الأمم المتحدة 193 دولة عضو في مجلس الأمن، فقط عضو واحد من يكلف نفسه بالتدخل (في هذا الملف)، باتخاد موقف، وأن يطالب بالتصويت ضد قرار أممي، بتوجيه النقاش، ولعب دور الضحية أحيانا والتحدث باسم الآخرين.
اسمحي لي السيدة الرئيسة أن أعقب على عدد من العناصر الواردة في كلمة أخي سفير الجزائر، حيث كانت مداخلته “مرافعة اتهام” ولم تكن “دفاعا” عن موقفهم. بل كانت “مرافعة اتهام” ضد مجلس الأمن، ضد حامل القلم (واشنطن)، ضد الدول التي قررت مساندة القرار، حيث يعطي الإنطباع أن الحق هو فقط مع الجزائر، وأن كل من هم ليسوا في اتفاق مع موقف الجزائر هم خارج القانون.
السيد السفير إن دروسكم حول القانون الدولي قد مَلَّهَا المنتظم الدولي لسبب بسيط هو أن خطابكم متكلف ومتعال ومغرور. وأنه لا يملك عمقا وصلابة قانونيتين. سأقدم لكم هنا الدليل على ذلك.
تحدثتم عن حقوق الإنسان واحترامها، لكنكم منذ خمسين سنة وأنتم تمنعون المفوضية السامية الأممية للاجئين من القيام بإحصاء اللاجئين بتيندوف. فهي المخيمات الوحيدة في العالم التي يمنع فيها البلد المضيف القيام بذلك بشكل رسمي وعبر رسالة مكتوبة.
لماذا؟.
سأقول لكم لماذا، لسبب بسيط لأنه في تلك المخيمات يوجد ماليون وجزائريون. وأجدد المطالبة باسم بلدي أمام هذا المجلس الموقر بالسماح للمفوضية السامية للقيام بذلك الإحصاء.. لو كانت نتيجته مليون لاجئ صحراوي سنقبله. لايمكنكم ولا يستقيم أن تدافعوا عن ما تسمونه ب “لاجئين”، وتمنعون في الآن نفسه إحصائهم وتحديد أنهم فعلا لاجئون من قبل الأمم المتحدة.
تحدثتم عن حماية اللاجئين والحال أن اتفاقية 1951 لحمايتهم تلزمكم أن تسمحوا للمفوضية السامية الأممية بالقيام بدورها وإحصائهم. تحدثتم عن الحماية، لكنها شيء لا ينزل من السماء، لأن الحماية الدولية لها نظمها وقوانينها، وأول تلك النظم هي الإحصاء وتحديد الهوية. ليست الغاية أي حساب سياسي، بل معرفة كم يوجد من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب حتى يتم بدقة تقييم حجم ونوع الرعاية الإنسانية لهم. حتى هذا لا تسمحون للقيام به وتحرمونهم من حقهم في الحماية.
تتحدثون عن الحقوق، إن مخيمات تيندوف السادة الأعضاء المحترمين بمجلس الأمن هي الوحيدة بالعالم التي تخلت فيها الدولة الجزائرية عن سيادتها وسلطتها ومنحتها لمجموعة مسلحة انفصالية. فلا وجود لسلطة جزائرية في المخيمات، ليست هناك سيادة، فقط فسح المجال للبوليزاريو لاستقطاب عناصر جديدة وتسجيل الأطفال في تداريب عسكرية وإرسالهم نحو المخاطر العسكرية.
بالتالي معالي السفير لا يمكنكم ادعاء أنكم تدافعون عن اللاجئين وفي الآن نفسه تحرمونهم من حقوقهم الأولية. أكثر من ذلك، إن اللاجئين في تيندوف لا يسمح لهم أبدا بمغادرة المخيمات، لا يملكون حق حرية السفر، لا حق لهم في اختيار الإقامة في مكان آخر، لا حق لهم في العودة إلى الصحراء المغربية، والحال أن المغرب منذ عقود يفتح لهم باب العودة بضمانات دولية.
إن السبب في ذلك المنع ادعاء الجزائر أنهم لا يحق لهم العودة سوى بعد إيجاد حل سياسي. بالتالي فهي البلد الوحيد في العالم الذي يمنع اللاجئين من العودة إلى بلدهم وأهلهم. ثم أكثر من ذلك تأتي وتقول إن الحل السياسي لا يمكن أن يكون الحكم الذاتي ولا يمكن أن يكون عبر مفاوضات. عبر أي مسار إذن تريدونه؟ هل مصلحتكم هي في الجمود؟.
لقد أضعنا خمسين سنة حتى الآن، واعترفتم أنتم أنفسكم أخي السفير بذلك، فهل تريدون خمسين سنة أخرى من العذاب والمنفى و من الحرمان و خرق حقوق الإنسان، وقتل الأمل؟. لقد وصفتم أنتم أنفسكم المخيمات بأنها في صحراء قاحلة بدون وسائل عيش كريمة، وأنا متفق تماما معك، فاتركوهم إذن يعودون إلى المغرب وإلى الصحراء المغربية، اتركوهم أن يذهبوا إلى إسبانيا أو أروبا، أو افريقيا. لكن لا تمنعوهم وتحرموهم من هذا الحق.
تحدث معالي سفير الولايات المتحدة الأمريكية عن الوضعية الغذائية بالمخيمات معطيا إحصائيات ليست أمريكية بل أممية، تقلقنا وتحزننا.. لقد تحدثتم أنتم عن ذلك بأنفسكم، لكنكم عجبا تطالبون المنتظم الدولي بالمساعدات الغذائية بينما أنتم لا تقومون بذلك كما يلزمكم الأمر، بل ما تقومون به هو منحهم السلاح. إذ بدلا من بناء المدارس والمستوصفات تحرصون فقط على التسليح، بدلا من حمايتهم من قيض الصيف وقر الشتاء.
ملاحظة أخيرة..
قمتم بمقارنة مهينة بين مشكل الصحراء والقضية الفلسطينية. نحن على الأقل في المغرب كانت هناك ولا تزال كل أسبوع مظاهرات تضامنية مع الشعب الفلسطيني ومع القضية الفلسطينية، بينما في الجزائر ممنوع التظاهر للتضامن مع فلسطين. ثم تأتون هنا لإعطائنا دروسا حول فلسطين متناسين أن تسمحوا فقط لشعبكم بالتعبير الحر عن تضامنه معهم.
(حاول عبثا ممثل الجزائر منع عمر هلال من الكلام ومنعته رئيسة الجلسة قائلة إن له حق الرد بعد نهاية كلمة المغرب. فعلا منحته حق الرد وتهرب بدعوى أنه لا يريد إزعاج المجلس هههه).
إن تلك المقارنة معيبة ومهينة لفلسطين وقضيتها.. من يرسل فعلا المساعدات للشعب الفلسطيني، من بنى مستشفيات للعلاج اليومي، من يعمل فعليا من أجل إيجاد حل عادل للقضية، من يجتهد لتقريب وجهات نظر ومواقف الأطراف؟. مؤكد أنه ليس أولئك الذين يكتفون بالخطابة حول فلسطين (مثلكم) بل أولئك الذين يعملون في صمت وبدون مزايدات وبدون أجندات سرية (المغرب).
إن الوضعية في مخيمات تيندوف أخي السفير تلزم أنها حالة لا يمكن أن تطول، بل أن يتم وضع نقطة النهاية لها، حتى يتمكن الأطفال والنساء والباقون من العودة إلى عائلاتهم وقراهم ووطنهم. وهذا ما تسعى إليه المفاوضات، لا أن يبقوا رهائن أجندة سياسية جزائرية، وتحت رحمة مجموعة مسلحة ذات ارتباطات مع الإرهاب الدولي.
أختم كلمتي السيدة الرئيسة بأن أشكر الدولة حاملة القلم (الولايات المتحدة الأمريكية)، وأن أشكر كل الدول التي صوتت لصالح القرار المقدم من قبلها الذي هو خلاصة ونتيجة ساعات وساعات من التشاور والمناقشة. لقد قام المغرب بما يكفي من التنازلات للوصول إلى الصيغة المقدمة التي نعتقد أنها مرضية للجميع. نأسف أن ذلك لم يُسمح بتحقيقه..
شكرا السيدة الرئيسة..
لحسن لعسيبي

















