الدراما التلفزيونية واستدعاء التاريخ د. عزيز زروقي

هيئة التحرير
نشرت منذ ساعة واحدة يوم 1 نوفمبر, 2026-1 مشاهدة
الدراما التلفزيونية واستدعاء التاريخ د. عزيز زروقي

الدراما التلفزيونية واستدعاء التاريخ
د. عزيز زروقي

منذ ظهور التلفزيون وبداية تقديمه لدراما خاصة به، أضحت الدراما التلفزيونية تعني محاكاة تخييلية لأفعال الإنسان، وتتم بواسطة شخصیات في زمان ومكان محددين، وتعتمد الحوار الدرامي، وتعد تقنيا للعرض على شاشة التلفزيون، وليس السينما أو خشبة المسرح. وقد ارتبطت الدراما التلفزيونية منذ ظهورها، مثلها في ذلك مثل بقية الأنواع الأخرى من الدراما، بالأصناف الأدبية الأخرى من رواية وقصة ومسرحية وشعر وغيرها، بناءً على أسلوب الاقتباس الذي وفر النصوص الأدبية المكتوبة والتي يتم تحويلها إلى دراما مرئية. وكان التاريخ ووقائع الماضي وشخصياته من أبرز ما اهتم به كتاب الأدب المكتوب، من رواية وقصة، وكذا كتاب المادة الدرامية المعدة للتلفزيون أو السينما، فاستوحوا من وقائعه وأخباره وأحداثه مادتهم الأدبية والفنية، نحو مجالات الدراما التاريخية. تجاوب المشاهد في أغلب الأحيان معها، وهذا ما يستغله صناعها، والتي قدمت على شاشة التلفزيون واكتسبت جمهورا عريضا.
وقد كان لتركيز الدراما التلفزيونية على الحكي، ثم الحدث لأنه العمود الفقري لأي دراما، إضافة إلى ما سمي بدراما الشخصيات دور كبير في تمتين تلك العلاقة مع التاريخ، وذلك الارتكاز على وقائع التاريخ وشخصياته الذي ميز كثيرا من إنتاجات هذه الدراما. وقبل أن نركز على الأسباب العميقة لاستدعاء الدراما التلفزيونية للتاريخ، نؤكد هنا أنه رغم الحدود التي تظل قائمة وواضحة بين الدراما والتاريخ، فإن هناك عناصر تشدهما معا إلى أصل تعبيري واحد يجد حده الأمثل في الحكي، إذ يشتركان في كون كل منهما خطابا سرديا أحده مكتوب والآخر مرئي. وبقدر ما تحفل كتب الأخبار والحوليات بمفردات القص والحكي والروي تعتمد الدراما التلفزيونية بدورها على الأسلوب نفسه بصيغة أخرى تتمثل في استحضار واقع مضى وجعله يحدث، محاكاة، أمام المشاهد.
فمنذ أن نشأت الدراما بأنواعها، كان التاريخ أحد أهمّ موضوعاتها، حتى أطلق عليها ما نسميه “بالدراما التاريخية”، دراما نطل منها على التاريخ ومصادره ومدوناته، جسدت لنا وقائعه بطريقة درامية شريطة صحة الواقعة ودقتها. دراما ساعدتنا على بناء الذاكرة الجمعية للشعوب والأمم، دراما اختلفت عن الأفلام الوثائقية المحكومة بالسرد التاريخي والعرض الأرشيفي الصارم.
ويمكن القول إن العلاقة بين الدراما التلفزيونية والتاريخ علاقة متينة ومعقدة، فالدراما التاريخية تستلهم من التاريخ كثيرا من مواضيعها وقضاياها، ويستعمل التاريخ الدراما التاريخية كوسيلة من الوسائل الفعالة الكفيلة بنشر مادته وتقديم قضية من قضاياه بطريقة حية أمام جمهور ما كان له أن ينشغل بتلك القضية التاريخية لولا استحضار الدراما التلفزيونية لها. وعليه، فإن المجالان يستفيدان من بعضهما البعض، حيث يمكن أن توفر الدراما التاريخية منظورا سرديا وعاطفيا حول الأحداث التاريخية، بينما يمكن أن يقدم التاريخ قاعدة معرفية وتحليلية لبناء أعمال الدراما التاريخية.
بناء على ما سبق، يمكن تعريف الدراما التاريخية بكونها نوع من الأعمال الدرامية التي تستخدم الأحداث والشخصيات والسياقات التاريخية كخلفية لسرد قصة ما؛ فالدراما التاريخية تصف لحظة تاريخية ماضية يُعاد صياغتها من جديد وفق معالجات إخراجية مبنية على طبيعة هذه اللحظة، وتحولاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. وتستحضر الأعمال الدرامية التاريخية في الغالب حقبا وأحداثا تاريخية كاملة من الماضي لغرض ربطها ببعض إشكاليات راهن المنتج لها والحاضر المعاش للجمهور المتلقي لها، كما تتناول السير الذاتية لعدد من الشخصيات التي كان لها دورها الفاعل بشكل أو بآخر في توجيه مسيرة التاريخ، وقد يتم استعمالها من أجل تحفيز التفكير في الماضي وامتداداته في الراهن، وفي أحيان كثيرة من أجل الاحتفاء بظواهر أو أحداث أو شخصيات والاسهام في بناء ذاكرة جمعية عنها. وفي كل هذه الحالات، فإن صناع الدراما التلفزيونية التاريخية يقدمون التاريخ بوجهة نظر مغايرة لما هو سائد ومعروف عما يقدمه المؤرخ، ويقدمون هذا التاريخ في بناء درامي جديد.
وحسب بعض المشتغلين على الدراما التاريخية، فإن هذه الأخيرة تسعى إلى إعادة كتابة الحدث دراميا من نفس زاوية الرؤية التاريخية المعروفة، وتعمل على رتق الخطابات المتعددة والأزمنة المتباعدة، مثل من يجمع بلورا ويحاول أن يصنع منه شكلا جديدا، وتقوم باستحضار كتابة ذلك البلور مرئيا، ويصبح العمل الدرامي تجسيدا لحدث تاريخي عبر وسائط جمالية مختلفة، وتنطلق من نصوص تاريخية يتم إدخالها داخل أفق درامي جديد صنعت وعيها الخاص الذي به وفيه تتسع وتتنوع، فوسيط الدراما الذي يفيد من إمكانيات الصورة والموسيقى والتجسيد البصري يتشاكل مع التاريخ في لحظة زمنية اختارها صانع الدراما التلفزيونية، وهي اللحظة التي تفرز علائق يقيمها النص الجديد المرئي مع المتلقي.
تعيد الدراما التلفزيونية كتابة التاريخ بصريا ودراميا وفق رؤيتها لهذا التاريخ، في محاولة لتجسير الهوة بين واقعين؛ الواقع النصي والواقع المستدعى، وتروم بوسائلها واستراتيجياتها الخاصة، تحقيق نوع من التجسيد الفني لوقائع وأحداث مرت، لكنها، ووفق رؤية معظم الدراميين، قد تعلو عليه أو تمحو بعض معالمه أو تعدلها، أو تعيد تأويلها، بهدف تقديم وجهة نظر تختلف عن وجهة نظر المؤرخ، المقيدة بالزمان والمكان والظرف التاريخي والوثيقة، والمؤسسة على أهداف ومصالح مختلفة أملتها شروط إنتاج معينة، وتتجه فيها الكتابة نحو ملء البياض الزمني الذي يساعد على فهم مسار الأحداث.
يعتبر البعض أن التلفزيون يقدم الدراما التاريخية بشكل يحرص على المحافظة على الأحداث التاريخية كما وردت في كتب التاريخ، رغبة في تقديم هذه الأحداث كما وقعت دون تغيير، لأن هذا النوع من الدراما التلفزيونية يكون الغرض منه تقريب هذا التاريخ إلى عموم المتلقين، وجعلهم يتعرفون عليه كما ورد في بطون الكتب التاريخية، بالرغم من الحرص طبعا على منحه طابعا دراميا فنيا متلائما حتى يقبله المتلقي ويحرص على متابعته، وهو ما يتطلب من مخرج المسلسل عملا مضاعفا، يتمثل في احترام المادة التاريخية والقدرة على تحويلها إلى عمل سردي تلفزيوني مشوق. ومن ثمة، فعملية الحرص على التوثيق عملية أساسية وضرورية، كما أن عملية التحويل الفني للمادة التاريخية المقدمة عمل تفرضه طبيعة الاشتغال التوثيقي.
في حين يعتبر بعض المختصين في هذا المجال أن نقطة انطلاق عمل كاتب الدراما التاريخية هي الوقائع التاريخية، وقد تشكل متكأ لنصه ومرجعا له، على أنه ليس ملزما، في نظرهم بمحاولة إعادة بناء الماضي كما كان أو كما تم تداول أخباره، بل يعمد إلى إعادة صياغة الحدث، وصنعه على نحو درامي وفني، وقد يستبعد بعض الأحداث التي لا تسهم في صناعة الحبكة الفنية، وقد يضيف بعض الشخصيات أو يضع على لسان شخصيات من الماضي المعني بمحاكاته دراميا كلاما لم يثبت أنها قالته، أو يصيغ وقائع وأحداث متخيلة يتم تضفيرها في نسيج المسلسل التاريخي من أجل صنع الحبكة وخلق حالة من الإثارة التي تشد انتباه المشاهدين باعتبارهم أحد عناصر الدراما. وعليه، فإن العمل الفني المبني على التاريخ يفقد فيه التاريخ تأريخيته، ويخرج من كونه وثيقة يمكن الاعتماد عليها، ويصبح عملا جماليا، ويغدو إبداعا يفيد من الحدث التاريخي.
تطرح لنا وجهات نظر المؤرخ من جهة، ووجهات نظر المخرج التلفزيوني من جهة أخرى مشكلة الفرق بينهما، على اعتبار أن الأول يشتغل على الوثائق لإعادة بناء الماضي المدروس ويحرص على مصداقيتها، في حين إن الثاني يريد تقديم عمل فني عن ذلك الماضي لكنه ملزم بعناصر الدراما، بالرغم من كونه يستند إلى مادة تاريخية معروفة.
ويمكن القول من جهة أخرى، أن اعتماد هذه الدراما على التاريخ يجعلها توثيقية، حتى وهي تقدم في إطار درامي مشوق ببداية وعقدة ونهاية. ويلعب فيها عمل إعادة تشكيل هذه المادة دورا أساسيا، حيث يقدمها في إطار درامي يثير الاهتمام ويدفع المشاهد لمتابعتها. وإذا كانت الدراما التاريخية التي تقدم شخصيات تاريخية معروفة، ولها دور كبير في بنية العالم المحيط بها، وأعمالها مؤرخة وفق تاریخ مضبوط ووفق أحداث ووقائع مسجلة مما يحد من بنية التخييل الروائي، فإن عمل الصوغ الدرامي لحياة وسيرة بعض الشخصيات، وإن كانت تاريخية، قد تفرض تفضيل واقعة عن أخرى عاشتها وإبراز حدث عن آخر وقع لها.
عموما فإن استحضار التاريخ في الدراما التلفزيونية يفرض أمرين وصورتين واضحتين، أولهما أن صناع هذه الدراما يعيشون في الحاضر، ويحاكون الماضي دراميا ويجعلونه يحضر أمام متلق يعيش في الحاضر، وثانيهما أنهم يفتحون بابا واسعا على محاكاة أحداث الماضي ووقائعه وجعله تمثل أمام المتلقي بمختلف عناصرها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية وغيرها، بما يجعلها تحاكي الحياة اليومية لواقع ماض وإن وجهت أضواءها إلى حدث سياسي أو شخصية بعينها؛ فإذا كانت الأبحاث التاريخية غير التركيبية على الأقل تخصص حديثها عن ظاهرة بعينها أو واقعة بعينها فإن الدراما التلفزيونية ملزمة على أن تحاكي الماضي المقصود بمختلف تجلياته ولو استهدفت حدثا أو سيرة ذاتية، ومن الأمثلة على ذلك أن عملا مثل عمل “صقر قريش” استهدف تتبع شخصية عبد الرحمان الداخل ودوره في تأسيس الدولة الأموية في الأندلس وتقديم صورة عامة عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية وغيرها عن هذا العصر، ويمكن من خلاله محاكاة أسواق الأندلس ومكوناتها الاثنية والاجتماعية وتفاصيل عن الملبس والزينة والعمارة والعمران وغير ذلك مما يخص الحياة اليومية، وهو ما يجعل الدراما التلفزيونية أقرب تفاعلا مع تصور التاريخ الجديد، ليس فقط في جانب تصوره والشمولي، ولكن أيضا من زاوية ذلك الذهاب والإياب بين الماضي والحاضر، واستشكار التاريخ من منظور ينطلق من قضايا الحاضر لفهم الماضي أو يبحث في الماضي عن ما يفسر به الحاضر.
وفي هذا الاتجاه، والذي يجعل الدراما التاريخية معنية أيضا بالانطلاق من إشكاليات الحاضر للبحث في قضايا الماضي، اعتبر بعض المهتمين أن من الأسباب المفسرة لتكاثر عودة صناع الدراما إلى التاريخ ضعف هامش حرية التعبير ما دفع بصناع الدراما إلى البحث عن وسائط يعبرون من خلالها عن أفكارهم، دون أن يتعرضوا للمنع أو المحاسبة، ومن أجل ذلك ألقوا على حقب من الماضي إشكاليات حاضرهم، وأسقطوا واقعهم الراهن على ماض يشبهه، فاستعاروا من التاريخ ما سمح لهم بنقد واقعهم المعاصر، من قبيل استعادة تاريخ طاغية ومستبد لنقد واقع الاستبداد السياسي المعاصر، أو رصد انتصارات للتعبير عن رفض لهزائم معاصرة، وغير ذلك. وربما استعادوا ماض معين يعتبرونه صالحا لتقديم مثال عن لحظة ازدهار اقتصادي أو سمو فكري أو قوة سياسية في إطار صراع حضاري يميل إلى تقديم الحضارة الإسلامية كما كانت وتفسير أسباب انهيارها.
ورغم ما قد يبدو عن بعض المسلسلات التاريخية من بعد زمني عن الواقع الراهن، إلا أن المراد منها في العمق هو ربط المشاهد مع ماضيه، وبالتالي مع حاضره وما يقع فيه من أحدات، فعملية التركيز على مادة تاريخية دون أخرى له بالطبع هدف ثقافي أيديولوجي معين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق