
حِينَ تُوُفِّيَ جمال عبدالناصر.. فتوقفت الحركة الفنية.. من مِنَّا لا يهتز وجدانُه وهو يسمع المرحومة أم كلثوم تصدحُ مِلْءَ حُنجرتها الذهبية ، بأنشودة “أغدا ألقاك”؟ لهذه التحفة الشعرية الحزينة حكاية فريدة ، بَطلاها طالبٌ وطالبة كانا رفيقين في الدراسة . ارتَبَطَا بِبَعضِهما ارتباطا جنونيا ، أوائل الستينات ، وهما طالبان في جامعة القاهرة ، وتعاهدا على الزواج بعد تخرجهما . هي فتاة مصرية تنتمي لأسرة من عِلْيَةِ القوم في أرض الكنانة. وهو ، الطالب الهادي آدم ، يدرس في سلك الإجازة للغة العربية.. ينحدر من وسط فقير في بلد السودان المجاور . بعد تخرجهما تقدم آدم لخطبة المعشوقة من أبويها لإتمام الزواج . ولكن القدر شاء غير ذلك ، لأن أسرتها أصرَّت على رفض هذه الزيجة “الغير متكافئة” ، بحكم أن آدم ينتمي لوسط فقير ، وذلك بالرغم من الوساطات المتعددة ، التي حاولت ، دون جدوى ، إقناع الأهل بقبول الخطبة . بَكَى الطالب الهادي آدم بحُرقةٍ حظَّه العاثرَ ، ولم يلبث أن عاد إلى بلده السودان منكسرا ، وانخرط في سلك التدريس ، ولكنه كان ، في أوقات فراغه ، يظل مُرابِطا يعيش مرارة حزنه المُضني تحت ظل شجرة كبيرة على مقربة من بلدته . مرت بعض السنين على سفر آدم إلى بلده ، ومع ذلك لم يَنَلِ الزمنُ من حب معشوقته له ، بل ظلت مصرة على إقناع أهلها بقبول الزواج منه ، فكان لها ذلك.. بعد صراع مرير . وصل الخبر السعيد لآدم ، فنزل عليه هَدِيةً من السماء.. لم يَقْوَ على مقاومة الانتظار ، فألهَمَهُ ذلك هذه التحفة الشعرية الحزينة المؤثرة ، التي تعبر بصدق عن معاناة حب ظل ممتنعا سنين طِوالاً . لكن.. هل كان من قبيل الصدفة ، أن تختار سيدة الطرب العربي أم كلثوم هذه القصيدة لتغنِّيها.. بتلحين من الموسيقار الظاهرة محمد عبدالوهاب..؟ السيدة أم كلثوم لم تكن مطربة عادية ككل المطربين.. بل كانت تزاول فنّاً مُلتَزِما.. يُطرِبُ ، ولكنه ، في مقام آخر ، يخدُمُ القوميةَ العربية.. وبلدَها مصر أيضا.. وهو الأمر الذي رفع من شأنها.. فكانت تُستقبلَ في كل البلدان التي كانت تزورها ، وخصوصا في الدول العربية ، استقبالَ رؤساء الدول . بعد نكسة ألف وتسعمائة وسبع وستين ، قامت أم كلثوم ، بجولة فَنِّية وسياسية في معظم الدول العربية ، تثمينا للمجهود الحربي التضامني الذي بذلته كل هذه الدول.. فكانت تختار من كل بلد قطعةً شعريةً ، تُغَنِّيها له كعُربون وِدٍّ واعتراف بالجميل . وعندما كان دور السودان وقع اختيارها على قصيدة “الغد” لشاعرنا الهادي آدم ، لأن حكاية الحب والوفاء بين الطالبين.. فيها من الرمزية ما يجسِّد قصة الحب التاريخية بين البلدين الجارين ، مصر والسودان . وكان أن غَيَّرت أم كلثوم اسم القصيدة من “الغد” ، إلى “أغدا ألقاك”.. وعرضتها على محمد عبدالوهاب لتلحينها . لكن بمجرد اكتمال التلحين ، توفي الرئيس جمال عبدالناصر.. فتوقفت كل الحركة الفنية.. ولم يُسمح بغنائها إلا سنة ألف وتسعمائة وإحدى وسبعين.. وما لبث صوت أم كلثوم أن صدح بها في الديار السودانية ، وهي ترتدي الزيَّ التقليدي السوداني الشهير ، بحضور الشاعر الهادي آدم ، الذي ابتدعها
. قصيدة أغدا ألقاك أغداً القاكْ أغدا ألقاكَ ؟
يا خوفَ فؤادي من غدِ يالشوقي وإحتراقي فى إنتظار الموعدِ
آهِ كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا
كنتُ أستْدنيه لكنْ هِبْتُهُ لمَّا أنابَ
وأهَلَّتْ فرحةُ القرب بِهِ حين استجابا
هكذا احتمل العمرُ نعيما وعذابا مْهجةً حرة وقلبا مسَّهُ الشوقُ فذابا
أغدا ألقاكْ أنت يا جنَّةَ حُبِّي واشتياقي وجنوني أنت يا قِبْلةَ روحي وانطلاقي وشجُوني
اغدا تُشرقُ أضواؤك فى ليلِ عيوني ؟
آهِ مِنْ فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني كم أناديك وفي لحني حنينٌ ودعاءْ يا رجائي
أنا كم عذَّبَني طولُ الرجاءْ أنا لو لا أنتَ لم أحفل بِمَنْ راح وجاءْ
أنا أحيا لِغَدِ الآنَ بأحلام اللقاءْ فَأْتِ أو لا تَأْتِ أو فَافْعَلْ بقلبي ما تشاءْ
أغدا ألقاكْ هذه الدنيا كتابٌ أنتَ فيه الفِكرُ هذه الدنيا ليالٍ أنتَ فيها العُمُرُ هذه الدنيا عيون أنت فيها البَصَرُ هذه الدنيا سماء أنت فيها القمَرُ
فارحمِ القلبَ الذي يصبو إليكَ فغدا تملكُه بين يديكَ
وغدا تأتَلِقُ الجَنَّةُ أنهاراً وظلا وغدا ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولَّى وغدا نزهو فلا نعرفُ للغيب محلا وغدا للحاضر الزاهر نحيا
ليس إلا قد يكون الغيب حلوا إنما الحاضر أحلى
أغدا ألقاكْ .
أدبيات عبدالله الدويب مذكرات من الزمن الجميل


















