#أسبوع_القصة
#قصة_قصيرة
~~~~~~~ آفاق تحليق ~~~~~~~
بقلم القاصة سعاد الرايس
في البدايات ترتسم في الأفق ملامحُ أملٍ يكون حافزا لبذل الكثير من الجهد من أجل تحقيقه، ويزداد ذلك الحافز بتشوّقٍ يكبر كل مرة لرؤية ذلك الأمل يومًا حقيقة، حتى تكون النهايات مكلَّلة بالنجاح. ما بين تلك البدايات وختام المسار شرد إليه ذهنُ الطالب الجامعي حميد، ذي الأربعة والعشرين سنة من عمره، بعد اطلاعه اليوم على النتائج المشرفة التي حصل عليها في هذه السنة الجامعية، ونيله شهادة الماستر في شعبة اللغة الإنجليزية.
إنه يشعر بأن الأفق الذي كان يبدو له بعيدا قد اقترب منه كثيرًا، وبدأت المسافات تتضاءل لتقرّبه من حقيقة ما كان يحلم به لسنوات طويلة من الاجتهاد. أمّا أسرة حميد اليوم فتغمرها سعادة كبيرة بخبر نجاح ابنها؛ فالزغاريد ملأت البيت، وأتى الجيران مهنئين، يشاركون الأسرة احتفالها هذا المساء بنجاح الشاب حميد وختمه سلك الماستر بميزة حسنة. اجتمعت الأسرة والجيران حول مائدة الشاي والعصائر والحلويات، ينعمون بسعادة هذه المناسبة السارة.
قبّل حميد جبين والدته التي أشرقت أسارير وجهها، رغم بعض التجاعيد التي رسمت فيه خطوطها الواضحة، ثم عانق الشاب والده عناقا كبيرا، كأنه يجدّد معه العهد بمتابعة مسار الجدّ والإيمان بجدوى التعب وقيمة المجهود في سبيل الأهداف النبيلة في الحياة، بينما تعلّقت بكتفيه أخته ذات الخمس عشرة سنة، مفتخرةً به. كان الجميع فرحين، يوزّعون نظرات معبّرة عن الفخر بالشباب المتعلّم وتأهّله لمراحل مقبلة من العمل وتحمل المسؤولية.
كان الجميع سعداء، لكن حميد، المعنيّ بهذا الاحتفال، ورغم سعادته بتخفّفه من عبء وضغط السنوات الطويلة الماضية، انتابته مشاعر قلق بسبب غموض الغد ومرحلة الانتظار لفرصة العمل. هل سيجد عملا مناسبا، أم سيُضاف اسمه إلى قائمة المتخرّجين قبله من الجامعة، والذين ملّوا الانتظار رغم اجتيازهم لعدة مباريات من أجل الالتحاق بوظيفة؟ إنها حقًا مشاعر ولحظات صعبة بدأ الشاب حميد يعيشها كغيره من شباب البلاد المتعلّم والحالم بأداء دوره في خدمة الوطن.
ها هي أسرته لا تزال تحيطه باهتمامها، وتقدّر مجهوداته ونجاحاته، وتعبّر عن فخرها به؛ فهل ستنفتح له آفاق العمل ليعبّر لها هو كذلك عن مدى تقديره لها ويكون عند حسن ظنها؟ وحبّه الكبير لوطنه، هل ستُتاح له الفرصة لترجمته على أرض الواقع، ويساهم في خدمة وتطوّر بلده، ويكون في مستوى انتظاراته أيضا؟
تلك أسئلة ألقت ظلال القلق والحيرة على نظرات حميد، ولاحظتها أخته برهافة مشاعرها، وهي المولعة بفن الرسم. بدأت في هذه اللحظة تتشكّل في مخيّلتها مكوّنات لوحة تفكّر في رسمها: عصفور يقف على غصن شجرة، رغبة في التحليق، وسماء واسعة. هكذا ارتسم في خيال الفتاة موضوع لوحة تفكّر بالشروع في رسمها بعد أن ينصرف الضيوف، وتخلو بنفسها مع ريشة الرسم والألوان.
بلا شك، عصفور اللوحة المتخيَّلة يتطلّع إلى الأفق؛ فهل سيحلّق عصفور القصة خارج اللوحة، أم سيبقى في حدود إطارها؟
سعاد الرايس


















