ريما غزولة.. من شغف الطفولة إلى فضاءات الإبداع.. مسيرة امرأة تصنع حضورها بهدوء

هيئة التحرير
نشرت منذ شهرين يوم 17 أغسطس, 2026-15 مشاهدة
ريما غزولة.. من شغف الطفولة إلى فضاءات الإبداع.. مسيرة امرأة تصنع حضورها بهدوء

بقلم: آية الأجراوي

بعض الأسماء لا تحتاج إلى ضجيج كبير حتى تفرض حضورها، لأن ما يسبقها من تجربة يكفي ليمنحها مكانتها. هكذا يمكن قراءة مسار ريما غزولة، التي اختارت منذ سنواتها الأولى أن تجعل من الفن والثقافة أكثر من مجرد اهتمام، وأن تحول شغفها إلى مسار متدرج، تتقاطع فيه الخشبة مع الموسيقى، والصورة مع الكلمة، والإعلام مع الثقافة.

تبدأ حكاية ريما من المسرح، ذلك الفضاء الذي لا يمنح الممثل فرصة للاختباء خلف أي شيء؛ فإما أن يقنع الجمهور بحضوره، أو تظل المسافة بينه وبين المتلقي واضحة. ومنذ سن مبكرة، دخلت عالم التشخيص المسرحي، مستفيدة من محيط عائلي قريب من الفن والثقافة، لتبدأ رحلة ستقودها لاحقاً إلى تجارب أكثر اتساعاً.

شاركت في عروض مسرحية على المستوى المحلي والوطني والدولي، وحملت تجربتها إلى خارج المغرب، خصوصاً إلى تونس، كما شاركت في عرض “نوستالجيا” الذي قُدم تحت إشراف وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة.

لكن قيمة التجربة المسرحية في مسار ريما لا تكمن فقط في عدد العروض التي شاركت فيها، بل في كونها جعلت من المسرح مجالاً للتعلم المستمر. فقد خاضت تجربة الإخراج وأشرفت على ثلاثة عروض لفائدة الأطفال ذوي التنوع الوظيفي بمشاركة زملائهم، في مبادرة حملت الفن إلى منطقة أكثر إنسانية، حيث يصبح الإبداع وسيلة للإدماج، وتصبح الخشبة مكاناً يستطيع فيه الجميع أن يجد صوته.

كما اهتمت بتطوير قدراتها عبر تكوينات متخصصة في التشخيص والتأليف والإخراج والسينوغرافيا، إلى جانب اشتغالها في مجال التأطير والتكوين المسرحي بعدد من المؤسسات والمعاهد.

ثم اتسعت الدائرة.

في الموسيقى، وجدت ريما لغة أخرى لا تحتاج دائماً إلى الكلام. درست الصولفيج والكمان الكلاسيكي والبيانو، إضافة إلى الموسيقى الأندلسية، وهو تكوين منح تجربتها الفنية تنوعاً إضافياً، وفتح أمامها المجال للمشاركة في مهرجانات وتظاهرات موسيقية داخل المغرب وخارجه.

أما السينما، فقد قدمت لها مساحة أكثر رحابة للتعبير عن القضايا الاجتماعية والإنسانية. فشاركت في أعمال ذات أبعاد تربوية واجتماعية، وتناولت بعض الأعمال التي شاركت فيها قضايا الهجرة ومواضيع مجتمعية متنوعة، كما كانت لها مشاركة في عمل لمخرج فرنسي عرض ضمن فعاليات مهرجان السينما بمدينة مراكش.

غير أن انتقالها إلى الإعلام كان ربما أكثر المحطات التي جمعت مختلف عناصر تجربتها.

ففي الإعلام، لم تعد الصورة وحدها هي التي تتحدث، بل أصبحت الكلمة والصوت والحضور والقدرة على إدارة الحوار جزءاً من أدواتها. وقدمت البرنامج الإعلامي “ضيف برو”، وشاركت في عدد من البرامج والمشاريع الإعلامية، كما صنعت حضوراً في مجال التنشيط الثقافي والفني.

وقدمت ونشطت عدداً من المهرجانات والتظاهرات الكبرى، من بينها مهرجان الشواطئ لاتصالات المغرب، في تجربة تتطلب قدرة على التعامل مع جمهور واسع، وعلى الحفاظ على إيقاع الحدث والتفاعل مع مختلف تفاصيله.

وإذا كان تعدد المجالات قد يبدو في الظاهر تشتتاً، فإن مسار ريما يكشف العكس تماماً.

فالمسرح أعطاها القدرة على الحضور، والموسيقى عمقت علاقتها بالإحساس، والسينما وسعت رؤيتها للصورة والقضايا الإنسانية، والإعلام منحها مساحة للتواصل مع الجمهور. وبين هذه المجالات كلها، ظل هناك خيط واحد يجمعها: الرغبة في التعلم والتعبير وترك أثر.

واليوم، لا تكتفي ريما بما راكمته من تجارب، بل تواصل تطوير نفسها من خلال التكوين في مجال الإعلام والتواصل، إلى جانب نشاطها عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تهتم بتقديم محتوى يسلط الضوء على الثقافة المغربية، ويُعرّف بقيمها الفنية والتراثية.

وفي عالم أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من صناعة الصورة، تبدو هذه الخطوة امتداداً طبيعياً لتجربتها؛ فالثقافة التي كانت تُقدم بالأمس فوق الخشبة وفي قاعات المهرجانات، أصبح من الممكن اليوم أن تصل إلى جمهور أوسع عبر شاشة الهاتف.

ريما غزولة، في نهاية المطاف، ليست حكاية انتقال من المسرح إلى الإعلام، ولا قصة فنانة اختارت مجالات متعددة فحسب. إنها قصة شابة آمنت بأن الإنسان يستطيع أن يحمل أكثر من شغف، وأن الاختلاف بين المواهب يمكن أن يتحول إلى قوة حين يجمعها مشروع واضح.

قد تكون الخشبة هي التي فتحت لها الباب الأول، لكن الطريق اتسع بعدها ليشمل الموسيقى والسينما والإعلام والثقافة.

ومع كل محطة، كانت ريما تترك شيئاً وتأخذ شيئاً: تترك تجربة، وتأخذ خبرة؛ تترك لحظة، وتأخذ درساً؛ وتغادر فضاءً لتفتح أمام نفسها فضاءً جديداً.

وهكذا، لا تبدو مسيرتها مجرد رحلة نحو الشهرة، بقدر ما هي رحلة نحو بناء الذات.

رحلة تؤكد أن الحضور الحقيقي لا يصنعه الضوء وحده، وإنما تصنعه سنوات من العمل، والتكوين، والشغف، والقدرة على الاستمرار.

وفي زمن سريع التغير، تواصل ريما غزولة السير في طريقها، حاملة معها ما تعلمته من الخشبة، وما منحته إياها الموسيقى، وما اكتسبته من السينما، وما صقلته في الإعلام؛ لتكتب فصلاً جديداً من تجربة لا تزال مفتوحة على كثير من الاحتمالات.

فحين يتحول الشغف إلى عمل، والعمل إلى تجربة، والتجربة إلى رسالة، يصبح المسار نفسه حكاية تستحق أن تُروى.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق