كانت شجرة الحكمة مثقلة بثمارها سعيدة بالعصافير التي تأوي إلى أغصانها فتملأ المكان أنسا وبهجة بتغريدها، لكن أحوال الشجرة في الأشهر الأخيرة بدأت تتغير ومالت نحو الزهد والصمت.وأمام استمرار هذا الحال سألتها يوما إحدى جاراتها عما يعكر صفو مزاجها ويجعلها حزينة صامتة، فأخبرتها بأن طيورها التي كانت تستانس بها تتخذ لها وجهات أخرى وتكاد تستغني عنها فأكدت لها جارتها بأن الطيور بالفعل جذبتها أشجار أخرى مختلفة، والخطير في الأمر أن تلك الأشجار قد تؤذي من يقترب منها باستمرار.وهنا زاد قلق شجرة الحكمة وبدأت تفكر في حيلة تسترجع بها طيورها الأليفة لتشعرها باهتمامها وقيمتها من جديد.وبعد بحث وتحر عن أخبار الأشجار العجيبة وأسرار جذبها للطيور علمت أن الأمر صعب وأكدت لها جارتها ذلك بقولها أن تقليد أو تقمص هوية تلك الأشجار ليس سهلا فهي جد عالية لها أغصان عنكبوتية تقفز إليها الطيور ويتعلق بها الكثيرون أفرادا وجماعات. ورغم الإحساس بصعوبة الوضع أصرت شجرة الحكمة على خوض المغامرة محدثة نفسها(أن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) .هكذا استلهمت شجاعتها وقالت لأغصانها: ما سنقوم به هو نقل بعض الأغصان إلى الفضاء الجديد لتتبع تحليق العصافير مع إبقاء تلك الأغصان موصولة بجذورنا الثابتة في الأرض.
اندهشت الأغصان في البداية من فكرة الشجرة لكن غريزة حب البقاء والرغبة في استرجاع اهتمام الطيور دفعتها إلى الاستجابة لطلب الشجرة فمدت بعض الأغصان القوية رؤوسها إلى الأعلى وتعلقت بالعوالم الجدديدة التي ترتادها الطيور.وكم كانت فرحة تلك الطيور كبيرة حين لحقت بها الشجرة الوفية في فضائها الإلكتروني وعلقت فيه بعض أغصانها لتشعرها بوجودها وغيرتها عليها من الأغصان العنكبوتية.أدركت العصافير حب شجرتها الحكيمة وخوفها عليها ومغامرتها من أجلها فرحبت بها معبرة هي الأخرى عن محبتها وعادت للتحليق حولها خوفا عليها هي الأخرى من التيه بين خيوط الشبكة العنكبوتية وأغصانها المتشابكة.بهذا الشكل تجاوزت شجرة الحكمة أزمة الوحدة والتهميش واسترجعت اهتمام طيورها وعادت الحياة تسري فيها من جديد وهي تتابع تحليق طيورها، لكنها دائمة القلق عليها فلا الطيور تحافظ على تحليقها الطبيعي ولا أغصانها تنعم بحياتها المألوفة فالكل متعلق بخيوط واهية قد تعرضه في أي لحظة للسقوط والضياع….
سعاد الرايس
قصة :أغصان معلقة للأديبة سعاد الرايس
















