د. عزيز زروقي
كل ما قيل وما يقال عن السينما المغربية يدور في كنف أسئلة المفاهيم وتأصيلها، فمفهوم السينما مثلا، يلعب دورا هاما في تاريخ السينما الأكثر استهلاكا! حيث أن كلمة سينما cinématographe وحدها تعني في معجم المصطلحات السينمائية؛ التسجيل الحركي، وتدل في الوقت نفسه على الأسلوب التقني و إنتاج الأفلام، و قاعات العرض،و المؤلفات الفيلمية وأستوديوهات التصوير….
لم يسبق للسينما المغربية في يوم من الأيام أن كانت وصفية خالصة، بتحديد النوع الذي تنتمي إليه، آكوميدية أو رومانسية أو أفلام الحركة و المغامرات أو الرعب أو الأفلام التاريخية، أو المؤلف ….
يستحيل تحديد هذه الأنواع بدون تأصيل المفهوم داخل الحقل السينمائي المغربي، فالسينما العالمية كانت دوما متعددة المستويات و الأنواع، وواضحة المعالم، فلماذا ؟
بكل بساطة لأن السينما كلغة تقتبس من العلم، كما تقتبس تقنياتها من التكنولوجيا، أما كفن فتقتبس من الفنون،فصورة السينما ككل معناها، و ضعها في شكل ما بين الصناعة والإنتاج، هذا ما يجعلنا نتسائل عن العلاقة بين الصناعة والإنتاج
فما مفهوم الصناعة السينمائية ؟ وإلى أي مدى يمكن استخدام مفهوم الصناعة في السينما المغربية ؟ وما علاقته بالإنتاج السينمائي؟
-الصناعة السينمائية:
الصناعة السينمائية هي تلك الصناعة التي تهتم بصناعة الصور المتحركة ، و هنا إشارة واضحة إلى المؤسسات التجارية والتقنية التي تدخل في عملية إنتاج الأفلام ويشمل شركات الإنتاج، واستوديوهات الأفلام والتصوير السينمائي، وتحريك الصور، ومهرجانات الأفلام، والتوزيع ،والممثلين، والمخرجين، وغير ذلك من المكونات….؟أما مفهوم صناعة الفنون؛ كالرسم و النحث والعمارة، فيقصد بها الأنشطة التي يتم فيها تحويل المواد الخام إلى منتجات من خلال تقنية معينة و محددة.
تندرج القواعد المؤسسة لوجود ما يسمى بالصناعة السينمائية هو ارتكازها على وجود شراكات بين المؤسسات التجارية والتقنية للمساهمة في عملية إنتاج أفلام ضخمة عن طريق الاستوديوهات الكبرى التي تسهل عمليات تصوير الأفلام، و هو معناه أن مفهوم الإنتاج هو جزء من الصناعة السينمائية، لماذا ؟ لأن المفهوم هو الأقرب إلى الدالة الوظيفية التي تعتمد عليها الفنون البحتة و التي تعتبر قضية الصنعة السينمائية ، و هذا يختص بتلك المفاهيم التي تتحول إلى متغيرات، أي مفهوم الصناعة السينمائية في المغرب الذي هو موضوع هذه الدراسة.
-الإنتاج السينمائي المغربي:
يعتبر الإنتاج السينمائي المغربي هو تلك اليد المحركة لكافة المهن السينمائية القائمة على تنفيذ الفيلم حتى يصبح قابلا للعرض، أي أن بناء الفيلم من الفكرة إلى العرض قائم على عملية الإنتاج التي تتجلى في عدد الأفلام السنوية حسب التصنيف العالمي الذي لا يسقط مفهوم الصناعة على الأقل من مئة فيلم في السنة، فعدد الأفلام هو الذي يحدد مفهوم الصناعة السينمائية في بلد ما، و هذا ما يجعلنا نتسائل عن مفهوم الصناعة السينمائية في المغرب؟
وكم عدد الأفلام التي تنتج سنويا؟
إن عملية صناعة السينما قائمة على إنتاج الأفلام، و تركيب مفهوم صناعة السينما، يحمل في طياته استوديوهات التصوير، وشركات الإنتاج، و مخرجين و تقنيين وممثلين ومهرجانات وقاعات السينما، و تتحدد الصناعة بتحديد الأفلام، إنه رقم صعب إذا. فهل الصناعة السينمائية المغربية تساوي عدد إنتاج الأفلام التي يفوق عددها المائة فيلم في السنةإن وصلنا هذا العدد؟
أما أقل من هذا العدد فقد نصنف السينما المغربية ضمن خانة تسمى السينما التجريبية!
-هل هناك علاقة بين الصناعة والإنتاج السينمائي المغربي؟
-ما هي الأهداف التي ترمي إليها وزارة الاتصال من خلال الكتاب الأبيض؟
-مخطط عمل الدولة الاستراتيجي هل كان مسعاه الحفاظ على المكتسبات والانجازات الفيلمية منذ الاستقلال إلى الان؟
-كيف تستطيع الصناعة السينمائية والإنتاج السينمائي بناء علاقة جديدة بين المتلقي والسينما المغربية من خلال تنظيم ودعم وعقلنة تدبير قطاع السينما ووضع البنيات التحتية والإجراءات القانونية والترويج الملائم؟
-كيف نجعل من السينما المغربية مبدعة ومرآة للهوية المغربية؟
-أين تتجلى مساهمة المركز السينمائي المغربي في تعزيز القدرة التنافسية والإبداعية، والانتقال من الرصيد الكمي إلى الإنجاز النوعي؟
-كيف نبني العلاقة الجيدة بين المتلقي و السينما المغربية عن طريق جودة الأفلام، لا عن طريق الإنتاج ولا عن طريق الصناعة؟
-ما المواضيع المطروحة في السينما المغربية التي تلامس مشاعر المجتمع المغربي؟
-بدعم و عقلنة معقولة كيف ندبر قطاع السينما المغربية؟-كيف يتسنى لعقلنة كتابة السيناريو في السينما المغربية أخذ الهوية كحجر أساس لهذه العملية؟
-قضية الكم هل هي قائمة على الصناعة السينمائية المغربية، أم على قضية النوع التي هي قائمة على جودة الإنتاج السينمائي المغربي؟
وضعت وزارة الاتصال عدة استراتيجيات للنهوض بالقطاع السينمائي المغربي بغية إرساء صناعة سينمائية حقيقية والنهوض بالمركز السينمائي المغربي، في إشراك حقيقي لمختلف الفاعلين المؤسساتيين والمجتمعيين من جملة هذه الإستراتيجيات:
-الرفع من عدد الأفلام الطويلة والقصيرة المنتجة بمعدل 11 % سنويا.
-الإكثار من عدد القاعات السينمائية المرقمنة.
-الرفع من مداخيل القاعات السينمائية.
-فتح باب الترشيح الاستثمار الأجنبي بالمغرب.
-الرفع من وتيرة مخصصات الدعم السينمائي.
-عدد المهرجانات السينمائية المدعمة وصل حد 51.
في الفترة ما بين 1958 و2018، تمكّن المغرب من إنتاج 372 فليما طويلا، كان عددها يتزايد من عشرية لأخرى إلى أن بلغ 20 فيلما طويلا في السنة، خصوصا بعد إحداث صندوق لدعم الإنتاجات السينمائية الوطنية ابتداء من سنة 1980، بالإضافة إلى إنتاج مئات الأفلام القصيرة والربورتاجات السينمائية المتنوعة وغيرها. وبلغ عدد مخرجي الأفلام الطويلة المغربية 172 في هذه الفترة، 149 ذكورا و23 إناثا.
لكن هل إنتاج ما بين 20 و 30 فيلما في السنة مؤشر على وجود صناعة سينمائية سينمائية بالمغرب؟ وهل تم تنزيل دعم قطاع السينما كما كان مخطط له؟ وأين وصلت الشراكات المؤسساتية بين شركات الإنتاج من أجل النهوض بالقطاع؟ و هل تمت هيكلة صناع السينما المغربية داخل صندوق الدعم، أما أن الأمر يقتصر فقط على بضعة مشاريع وأشخاص؟ ماذا وقع لجل السيناريوهات المُقدّمة إلى لجنة الدعم، للحصول على تمويل، يكتبها مخرجوها. حتى يحاول كاتب السيناريو. لا مكان للسرد بمعاييره الكونية في المشهد المغربي. نادرة هي القصة والحبكة خماسية المراحل، والشخصيات التي تتطوّر. فيلمٌ فيه وضعيات راكدة لا أحداث مترابطة سببياً، وتتطوّر. النتيجة: فيلمٌ حدوده طنجة، لا أكثر ولا غير؟
في العام المنصرم، استضافت مهرجانات أشخاصاً لا نشاط سينمائياً لهم. في العام الجاري، سيزداد هذا، وستُمنح الكلمة لبعضهم لتناول مواضيع لم يكتبوا فيها سطراً واحداً. المقالات المكتوبة عن الأفلام المغربية نادرة. تفسير ذلك أنّه يُستحسن ألّا تكون هناك علاقات متوترة بين الناقد ومحيطه. علاقات ربما تضرّ بكرامته.
ترى ما هي مشكلة السينما المغربية؟ التمويل؟ متوفر. فرص العرض؟ متوفرة في المهرجانات، وهي أكثر من الصالات. إذا لم تُشاهَد الأفلام، فلأنّها غير قوية وغير جاذبة للمتلقي، وليس لأنّ إمكانات العرض قليلة. تمويل المشهد السينمائي يزداد، والأنشطة تتكاثر، وسؤال الإبداع يحتدّ. الحلّ يُنتظر أن يُثمر الكَمُّ النوعَ الفني! بمعنى أننا نستطيع أن نصل إلى مواصفات المنظومة السينمائية التجارية المغربية تضاهي السينما العالمية.









