في بيت هادئ متواضع ترتاح النظرة إليه منذ دخولك إليه وتلفت انتباهك اللمسات الجميلة التي رتبت بها الأشياء البسيطة والأثاث الموزع في أرجاء البيت بانسجام وتنسيق ،أعدت فاطمة هذا المساء إبريق شاي وضعته في صينية بها بعض الكؤوس المتوسطة الحجم الخاصة بشرب الشاي وذهبت بالصينية تحملها بين يديها إلى غرفة الجلوس حيث وضعتها على المائدة المستديرة التي تتوسط الغرفة ،ثم عادت فاطمة ربة البيت إلى المطبخ وأحضرت طبقين متوسطي الحجم أضافتهما إلى المائدة،في أحدهما قطع كيك منزلي وفي الآخر بعض الرغائف التي كانت قد أعدتها بنفسها قبل قليل في مطبخها. جلست فاطمة إلى المائدة وقبل أن تصب الشاي في الكؤوس نادت الأبناء لشرب الشاي والالتفاف حول مائدة المساء كالمعتاد وتجاذب أطراف الحديث،لكن أحدا منهم لم يستجب لندائها.صبت الشاي لها ولزوجها الذي كان متواجدا معها في غرفة الجلوس يتابع على شاشة التلفزة مباراة في كرة القدم.كررت نداءها للأبناء فجاءها صوت ابنتها ذات الستة عشر عاما تعتذر قائلة أنها تكلم صديقاتها عبر الواتساب.أما الابن الأكبر حين لم يستجب لنداء أمه، ذهبت إلى غرفته فوجدت منشغلا بنافذة إلكترونية فتحها مؤخرا في صفحته بالفيسبوك يبيع عبرها بعض اللوازم الرياضية للشباب.أرادت أن تكلمه فأشار إليها بأنه في عمل، وسمعته يتواصل مع أحد الزبناء ويتفق معه على كيفية أداء الثمن وموعد إرسال ما اشتراه إلى عنوانه.وما كان من الأم فاطمة إلا أن تتركه مبحرا عبر الأمواج الإلكترونية وتعود إلى مائدة الشاي مستغربة ما يطرأ على الأسرة من تغير بعد أن استقطبت خدمات “الويفي” اهتمام الصغار والكبار في البيت.عادت إلى مكانها قرب المائدة وهي مستاءة، فيوما بعد آخر تتلاشى أجواء المرح والتواصل الجماعي داخل البيت ويزداد ميل كل واحد من أفراد الأسرة إلى الانفراد بنفسه أمام لوحته الإلكترونية أو هاتفه الذكي منجذبا للعوالم الافتراضية.بدأت فاطمة تشكو لزوجها غياب الأبناء عن الجلوس معهما وتأثرهما بعوالم الأنترنيت ،لكنه حاول أن يطمئنها قائلا: أن حال جميع الأسر أصبح هكذا متغيرا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الأنترنت . استمعت المرأة لما قاله زوجها لكنها كانت تحس بفراغ داخلي كبير وهي ترى أسرتها تدخل في دوائر من الصمت الذي بدأ يلقي بظلاله الكئيبة على البيت.كانت ترشف من كأسها في ذلك المساء رشفات وجرعات الشاي بين الحين والآخر وهي تفتقد روح الجماعة والضحكات العفوية التي كانت سابقا تدوي في أرجاء البيت تملأ سعادة وحيوية. كانت فاطمة تتأمل حال أسرتها وتنظر إلى صينية الشاي والكؤوس الفارغة وكأن المائدة هي الأخرى تستغرب لتهميشها ولجو الصمت الذي ساد في البيت لولا صوت المعلق الرياضي الصادر عن التلفزة أثناء المباراة الرياضية التي كان يتابعها زوجها باهتمام. سعاد الرايس
قصة قصيرة(شبح اغتراب في بيتي) سعاد الرايس
















