عبث الأقدار-للكبير نجيب محفوظ انصهار للقيم والتمثلات وتمازج الأسطورة مع التاريخ في سرد درامي ساحر وخلاب.

azziz bakouch.
نشرت منذ 6 أشهر يوم 30 أبريل, 2026-3 مشاهدة
بواسطة azziz bakouch.
عبث الأقدار-للكبير نجيب محفوظ انصهار للقيم والتمثلات وتمازج الأسطورة مع التاريخ في سرد درامي ساحر وخلاب.

عزيز باكوش   

 في سياق قراءاتي خارج الحدود، بين يدي في هذا اليوم الربيعي الساخن بدبي قلب الإمارات النابض رواية – عبث الأقدار – للكبير السامق نجيب محفوظ. وكان الإسم قد تردد على مسامعي في عنفواني  أكثر من مناسبة، دون أن أتجاسر على تصفح أواستكشاف مضمونها. اقتنيت النسخة من مكتبة حسن الجوي الشعبية بمدينة بنسليمان قبيل سفري إلى الإمارات العربية وتلك عادة دئبت عليها لتمضية رحلة ساعات الطائرة الثمان الطويلة والمتعبة على نحو ما. كانت الحرب الأمريكصهيونية ضد إيران قد اشتعلت. ما حتم إلغاء رحلتنا إلى دبي متن الخطوط الملكية مرتين. كما أغلقت مجمل دول الخليج أجواءها في وجه الملاحة الجوية تزامنا مع هذه الحرب الكيدية المقيتة. لتظل خطوط الإماراتية هي المتاحة والآمنة رغم طول المسافة.

هي -عبث الأقدار – أو -حكمة خوفو – أول عمل للكبير نجيب محفوظ دشن به مشواره في المتن الروائي. وبرأي النقاد فقد بدا واضحا اعتماد الكاتب على الوسائل التقليدية في بناء الرواية وهو نفس النمط في الكتابة التاريخية مع روايتي – رادوبيس – و – كفاح طيبة – في مشواره الإبداعي في مجال الرواية.

  ويجمع النقاد والمهتمون بأدب محفوظ أن رواية – عبث الأقدار- شكلت بامتياز حلبة انصهار للقيم والتمثلات. حيث تمازجت في رحابها الأسطورة مع التاريخ في رياض أدبي ساحر وخلاب. مصورة العلاقات الاجتماعية في الوسط الفرعوني الحاكم قبيل فكرة بناء الأهرامات – هرم الفرعون خوفو تحديدا -أو أثناءها. الرواية سلطت الضوء بما يكفي حيث ظهرت الأسرة الفرعونية الحاكمة متوزعة بين سلطة القوة وسطوة الاستبداد في مواجهة حتمية القدر. وفي حديث آخر “ طرح مسالة الاستبداد والقوة قضية الصراع بين الإرادة الفردية وحتمية القدر ” ما جعل الرواية تصنف كبداية حقيقية للرواية التاريخية القومية. لابد من الإشارة إلى أن العمل تم تحويله إلى مسلسل تلفزيوني حمل اسم ” الأقدار” بعد حذف كلمة عبث تفاديا لأي تعارض مه المفاهيم والمعتقدات الدينية. وقد لعب دور البطولة عزت العلايلي أحمد سلامة وعبد الله محمود.

  للأهمية والعيار في منظومة الأدب العالمي، عرفت الرواية انتشارا واسعا عبر ترجمتها إلى لغات عالمية منها الإنجليزية عام 2003 بعنوان حكمة خوفو – – Khufu’s Wisdom وإلى الألمانية في 2007 بعنوان خوفو –  Cheops.  كما ترجمت الرواية إلى الفرنسية – لعنة رع La Malédiction de Râ وإلى الإسبانية تحت عنوان وLa maldición de Ra). أما على صعيد النشر والتوزيع داخل مصر والعالم العربي أصدرت دار الشروق عام 1989 نسخة مبسطة للناشئين من الرواية تحت عنوان عجائب الأقدار مع رسومات من إنجاز لحلمي التوني.  

     تبدأ أحداث الرواية بجلسة هادئة وديعة تجمع الملك خوفو بأبنائه، وبعض الحكماء، والفنان ميرابو مهندس الهرم الأكبر. يتحدث الأمير هوراديف عن الساحر ديدي صاحب السلطة على الغيب والبشر الذي بدوره يخبر الملك بنبوئته قائلا: مولاي لن يجلس على عرش مصر من بعدك أحد من ذريتك” وبعد أن هز فرعون كتفيه استهانة قال بصوت رهيب ” وهل تعرف أيها الساحر من تذخره الآلهة ليخلفها على عرش مصر؟ رد الساحر على الفور “نعم يامولاي هو طفل حديث العهد بالوجود لم ير نور الدنيا إلا صباح اليوم.  فيكشف للملك اسم أم الطفل الشابة -رده ديديت- وأبوه الكاهن الأكبر – من رع- الذي تزوجها على الكبر كي تلد له هذا الطفل الذي كتب في سجل الأقدار من الحاكمين”

    بعد أن استشار خوفو أتباعه في جلسات مشورة، قرر تجهيز حملة تحت قيادته لقتل ذلك الطفل.” اعتقادا منه، بل إيمانا بأن القدر اعتقاد فاسد لا يخلق بالأقوياء التسليم به. فأصدر الأمر التالي: أيها القائد أربو أمامنا طفل رضيع، أعد واستعد للقيام بحملة من العربات الحربية سأقودها بنفسي إلى أمون. لأشهد شخصيا نهاية هذا المخلوق الصغير الذي رتبته الأقدار. فإن لم أذهب للدفاع عن عرشي فمتى يحق لي الذهاب؟  يقول خوفو ثم يضيف في حماس ملكي «هيا أيها السادة إني أدعوكم إلى ركابي لتشهدوا معركة هائلة بين خوفو والأقدار”

    أثناء طريق الحملة الفرعونية إلى منزل الكاهن، أكدت إحدى خادمات الكاهن فرعون شكوك خوفو وأخبرته بأمر نبوءة الكاهن، وأن زوجته -رده ديديت -، ستلد طفلا ذكرا سيحكم عرش مصر في المستقبل، وخوفا على صغيره سيقرر الكاهن تهريب زوجته وابنه مع الجارية – زايا-  إلى مكان بعيد.  وفي الرحلة تنبثق أحداث مشوقة لن نقتل متعتها لدى لقارئ. يصل فرعون إلي منزل الكاهن ويعهد للأمير رعخعوف بقتل الطفل.  لكن وبسبب حساسية دينية وإنسانية لم يستطع رعخعوف، بل رضعت الأقدار أمامه طفل آخر، لإحدى الجواري الذي ولد في نفس اليوم. فقتله معتقدا أنه الطفل الموعود، ثم يقرر قتل نفسه وفي الوقت نفسه. هكذا حمت الأقدار الطفل النبوءة بعبثها.

      يعود الفرعون خوفو مزهوا منتصرا ومن معه، ظنا منهم أنهم تخلصوا من الطفل”النبوءة”. وبالعدوة إلى هروب الخادمة – زايا- رفقة الأم وابنها حيث يعترض طريقهما قطاع طرق رتبت الأقدار شيئا عجيبا. جعل الخادمة زايا تترك   الأم – سرجا – فريسة للصوص وتهرب مع الطفل. إلى أن صادفها مرور فرعون وجنوده وقد أنهكها التعب وخارت قواها. لكنها صممت أن تلتقي بالفرعون لتكشف له عن هذا السر خطير.

  نعلم لاحقا أن سرجا أرملة بعد وفاة زوجها    أثناء العمل، فتتقرب من المهندس الأربعيني الأرمل بشاور، فتولدت المطامح في قلب زايا التي لم يخونها المكر أبدا. فوظفت سلاحها الأنثوي للاستيلاء على قلب المفتش العظيم وهو ما حصل بالفعل. فتتزوجه ويتربي الطفل – ددف رع مع أبناء المهندس خنى ونافا من زوجته المتوفاة والكلب جاموركا.  لتنضم الجارية الخامسة الى جواريه الأربع. وهكذا ابتسم لها الحظ وأقبلت الأربعينية – زايا- على الدنيا من جديد وهي تحتفظ بمعالم جمالها. وباتت مع عبث الأقدار سيدة قصر بشاور.  ينمو الطفل – ددف رع – يصبح شابا ويدخل سلك الجندية بالمدرسة الحربية. وسرعان ما سيخوض معارك بطولية مع جند فرعون كقائد عسكري لتطهير قبائل سينا المتمردة.

   كان الفرعون خوفو يعلم أن أي فرد من شعب مصر لا يتوانى عن إزهاق روحه لو أحس بأن موته يلقى رضاء فرعونيا ساميا.  ومع توالي القراءة ومتعة النص، تكشف تطورات الأحداث عبثا قدريا مذهلا، مادامت القسوة على أسرة الطفل النبوءة أخف من القسوة على مصر وعرشها برأي خوفو. ولكن من الذي قضى أن يكون ابنه خليفة خوفو على عرش مصر؟ أليس هو الرب رع؟ أو ليس يعد قراره قتل الإبن البريء تحديا لإرادة الرب الخالق؟ ومن إذن يجب أن يؤثر بطاعته خوفو أم رع؟  هنا كثافة المعنى وبلاغة المتن وعصبه.

 

   لنترك للأقدار فسحة من العبث ونتماهى مع – زايا- الخادمة تلك المرأة العاقر التي بلا ظلت بلا أمومة في حالة إشفاق على زوجها كاردا. فالمسكينة لم تذخر جهدا. كم استشارت من أطباء، وكم سألت من سحرة، وكم تناولت من حشائش وعقاقير من أجل الإنجاب دون جدوى أو أمل. حتى صارت العبارات التالية لازمة حياة –  فلا الرب يرحم، ولا الطب ينفع، ولا كاردا يعذر.  وتنهدت زايا قائلة: لوكان لي مثل هذا الطفل وأتبناه بعد أن أبت على الالهة منحي طفلا طبيعيا.

   حتى وهي تائهة هاربة بالطفل في الصحراء، لا تغادر مخيلتها صورة سيدتها النفساء –سرجا- التي خطفت طفلها وتركتها عرضة لكل الأخطار في صحراء لا ترحم تغشاها الظلمات وتحيط بها الوحشة ويطبق عليها رجال سلب ونهب لا تعرف قلوبهم الرحمة ولا الشفقة. وسرعان ما تنهدت وقالت لنفسها بخوف: ترى هل أفوز بالرضيع – ددف رع ابن كاردا ابن زايا رغم كل شيء؟ لقد انتهى أمر أمه الحقيقية وكذا أمر أبيه.” ص45

تتطور الأحداث بشكل درامي ويرتفع منسوب وعبث الأقدار فيطلب بشاور والد ددف بالتبني مقابلة الملك: ماذا وراءك يا أباددف الباس؟ مولاي أنا لست أبا لددف ولا ددف ابنا لي؟ فأجاب فرعون وقال بتهكم: بالأمس أنكر ابن أباه – في إشارة لتعرضه لمحاولة قتل من طرف ابنه – واليوم ينكر أب ابنه. ” ما لذي تمكره هذه الأقدار وتعبث به؟

 ويصدح بشاور منحنيا في حضرة فرعون “مولاي أن ددف هذا ابن كاهن رع السابق – من رع – ثم قص بشاور على مولاه فرعون وعيناه تذرفان الدمع الغزير قصته مع- زايا -وطفلها الرضيع من مبتداها إلى الساعة الرهيبة التي وقف يسترق فيها السمع إلى قصة رده ديديت الغريبة.  أما ددف فقال بشجاعته المعهودة كقائد عسكري: مولاي ما قاله السيد بشاور حق لا ريب فيه. ص203

   واستغرق فرعون يسترجع صفحة من ماضيه بصوت خافت يشبه الأحلام: حدث منذ نيف وعشرين عاما. أن أعلنت على الأقدار حربا شعواء تحديت بها إرادة الآلهة فجردت جيشا صغيرا سرت على رأسه بنفسي لقتال طفل رضيع – هو ددف الماثل أمامي الآن – وكان كل شيء يبدو لي كأنه يسير وفق مشيئتي. فلم يزعجني داع من دواعي الشك قط وظننت أني نفذت إرادتي وأعليت كلمتي وإذا بالحقيقة اليوم تهزأ بطمآنينتي وإذا بالرب يصفع كبريائي وها أنتم ترون كيف أني أجزى طفل رع على قتله ولي عهدي باختياره خلفا لي على عرش مصر فما أعجب هذا أيها الأنسان.”

    وتنتهي الرواية باللحظة السعيدة: حين يخاطب فرعون حاشيته: أيها الأمراء والوزارة والأصدقاء حيوا جميعا ملكي الغد.  واتجهوا جميعا بأنظارهم إلى الأميرة مري سي عنخ والقائد العسكري ددف رع وأحنوا الهامات، ونظر فرعون إلى سماء الحجرة وسها إليها لا يحرك ساكنا. فقلقلت المالكة ومالت عليه قليلا فرأت وجهه وقد اكتسى بنور سماوي كأنما يرى بعين بصيرته وجه أوزوريس العظيم يرنو إليه”.

 

   ويورد النقاد عن نجيب محفوظ قوله – كنت قد أسميتها (حكمة خوفو) فلم يعجب الناشر الذي قال لي: هذا عنوان غير روائي ولن يحبه الناس. ويضيفون أيضا أن نجيب محفوظ قد اتخذ لهذه الرواية عنوانا آخر هو (حكمة فرعون) اعترض عليه الأديب سلامة موسى قبل نشره.

 وللأمانة والتاريخ، فإن هذا العمل شكل باكورة الإنتاج الروائي لنجيب محفوظ، وصدرت عن دار اسمها المجلة الجديدة في ملكية الكاتب سلامة موسى، مقابل تسلم مجهود المؤلف 500 نسخة بسبب انعدام أجر نقدي فلوس-.

  وإمعانا في التحدي ونحت المسار ننقل عن المصادر نفسها تطور الأحداث بين كاتب الرواية ومكتبة الوفد. حيث كان السؤال: ماذا سيفعل نجيب محفوظ بخمسمائة نسخة حجما وورقا ؟ ببساطة، وضع النسخ في عربة حنطور، وبدأ يتجول بها، خاصة أنه كان من الصعب أن يأخذ كل تلك النسخ إلى منزله. فصادف أن وجد مكتبة تُدعى “مكتبة الوفد”، فعرض على صاحبها أن يشتري جميع النسخ. في البداية رفض الرجل، ثم تردد قليلا وقال له: لا تؤاخذني، من سيقرأ لكاتب غير معروف؟ ثم عاد وقال: حسنا، سآخذها منك كلها، لكن بثمن قرش واحد للنسخة. أي ما مجموعه 500 قرش، أي خمسة جنيهات. فقال له: حسنا، أعطني المال. فرد عليه: لا يا عزيزي، كلما بعتُ نسخة ستحصل على قرش. وهكذا كان الاتفاق.“

  ومادام الشيء بالشيء يذكر فإن مسالك المجد ليست معبدة دائما. فعندما كان أديبنا الشاب نجيب محفوظ يتردد بانتظام على مكتبة متواضعة، يجمع فتات القروش في صبر وتحد يضاهي صبر النحاتين، حتى استطاع أخيرا أن يبيع النسخ الخمسمائة من باكورة أعماله.  هذا المشهد الممعن في البساطة سيجعل من الشاب نجيب لاحقا العربي الوحيد – من بين نصف مليار إنسان- المتوج بجائزة نوبل في الأدب، والأديب الملهم الذي عبرت أعماله ورواياته حدود اللغة والسينما والمسرح لتستقر في وجدان العالم.

     هذه البداية المضنية تعيدنا بالذاكرة إلى أديب روسي آخر نذر حياته لنقد التشوهات النفسية والأخلاق المتردية في المجتمع الروسي، وهو أنطون تشيخوف. فكما صارع نجيب محفوظ قسوة البدايات المادية، واجه تشيخوف فظاظة النظام الاجتماعي والرقابة التي منعت أولى مجموعاته القصصية. وكما تحول محفوظ إلى أيقونة عالمية، أحدث تشيخوف انقلابا حقيقيا في فن القصة والمسرح، ليظل معاصراً حتى اليوم في كل مسارح العالم.

     إن مسيرة هؤلاء العمالقة تثبت لنا أن الإرث الخالد لا يولد في غرفٍ مذهبة، بل ينحت من صخر الواقع. فتشيخوف الذي هزته رحلة البؤس في المنافي والسجون، أثمرت تجربته رواياتٍ خالدة مثل “عنبر رقم 6” و”السيدة صاحبة الكلب”، ومحفوظ الذي عدّ قروشه الأولي بدقة، صار عملةً أدبية لا تقدر بثمن.

إن كل البدايات صعبة، والنجاح يتجاوز كونه ضربة حظ، إلى نتيجة مباشرة للعمل والاجتهاد وطرد الفساد والجهل، تماما كما تنهض الشعوب من فقرها لتصنع مجدها. المهم دائما ليس أين تقف الآن، بل أن تمتلك الشجاعة لكي تبدأ.

        عزيزباكوش    30 أبريل 2026

        دبي  الإمارات العربية المتحدة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق