المقال: النقد والناقد السينمائي
د. عزيز زروقي
لا مناص هنا، ونحن نعالج قضية النقد السينمائي La critique de film من الرجوع إلى الدراسات السابقة الغزيرة التي تتضمن أعمال سينمائية خاصة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، حيث طرح فلاسفة ونقاد كثر أسئلة عميقة تصب على العموم في طبيعة النقد والسينما، خاصة عند محاولتهم تأسيس إطار نظري للسينما أو في أحسن الحالات مناقشة مفهوم جمالية السينما. كل ذلك في إطار التأمل الفلسفي حول الفن عموما وفلسفة ونقدية السينما بوجه خاص. من هنا يمكن الرجوع إلى ما كتبه فلاسفة؛ مثل: (كرستيان ميتز) Christian Metz و ( ستانلي لويس كافيل) Stanley Louis Cavell، و(جيل دولوز) Gilles Deleuze، وجاك رانسيير) Jacques Rancière، و(ألان باديو) Alain Badiou من جهة، وسينمائيون ونقاد؛ أمثال: ( دزيكا فيرطوف) Dziga Vertov و(أندري طارفوسكي) Andreï Tarkovski، و(سيرجي ميكالوفيتش إيزنشطين) Sergueï Mikhaïlovitch Eisenstein، و(أندري بازان) André Bazin و( جان أيبضطاين) ،Jean Alfred Epstein و ( فيليكس كواطارو) Félix Quataro… من جهة ثانية.
نشأ النقد السينمائي متوازيا مع السينما، وكان كل منهما سببا ونتيجة للآخر. وقد نبع من فلسفة ظهرت في وقت سابق معلنة ميلاد النقد الأدبي. ويهمنا هنا التنويه بتعبير النقد السينمائي عن خطاب صراعي بين النقاد والأدب والمجتمع في الصراع الجاري للبت في شأن “أين تكمن الدرر فيما نشاهده”؟ عرف النقد السينمائي نطاق واسع من القراءة. وقام بدور القابلة التي تلقت السينما عند مولدها؛ في حين أنه وليد صناعة السينما، وساعد على جعل القالب الفني السينمائي مفهوما ومستساغا لعدد لا نهائي من المشاهدين. واستمرت الكتابة في مجال السينما على تنوعها، لأن قراءها يلجؤون إليها للتأكد من المعاني التي يشاهدونها ويسمعونها ويبحثون عن التفسير والتعمق الذي يوفره النقد السينمائي.
يعد النقد السينمائي من المناهج النقدية الحديثة إذا ما قورن بالمناهج التي تحلل الأعمال الفنية سواء في مجال؛ الشعر، المسرح، الرواية، الموسيقى أو الفن التشكيلي أو… ولكن على الرغم من حداثة منهج النقد السينمائي واختلافه عن المناهج النقدية الأخرى فإنه بالأساس يستمد جذوره وتقاليده منها، فيتخذ منها قاعدة انطلاق نحو آفاق فنية خاصة به. ولعل صعوبة النقد السينمائي تكمن في استعانته وضرورة اسيتعابه لتقاليد إنتاجات أدبية وثقافية، وإن كان لا يتقيد بحدودها، بل عليه أن يخلق المعايير الخاصة بالفن فيمزجها في وحدة عضوية، وهو فن شامل يجمع بين مختلف الفنون، فيمزجها في وحدة عضوية حتى يحصل على شخصيته المتميزة المستقلة، وحتى لا يتحول إلى صورة مكررة، أو أكثر من هذه الفنون. وهذه عملية معقدة متشابكة تتطلب من الناقد السينمائي أن يلم بكل الآداب والثقافات، والبصيرة، والحس المرهف، والوعي العميق.
أما في معجم المصطلحات السينمائية، فتدل كلمة النقد على فن تقييم عمل ما -نقد- وعلى الحكم المبني على هذا العمل -نقد- وعلى مجموعة الأشخاص الذين يتعاطون هذه الممارسة -النقاد-. وقد ظهر نقد السينما أثناء الحرب العالمية الأولى، مع زاوية (لويس ديللوك) Louis Delluc في جريدة (بارر- ميدر) Power-mètre … ونستطيع أن نقول أن بعض النقاد كانوا منظرين ضمنيا للسينما؛ أمثال: (أندريه بازان) André Bazinو (بارتيليمي آمنغال) Barthélemy Amengal ، وأتى مؤخرا (سرج داني) Selle Danny من فرنسا، و(جيمس آجيه) James Agee من الولايات المتحدة و (أمبرتو باربارو) Umberto Barbaro من إيطاليا.
يعرف النقد السينمائي؛ بأنه فن من فنون القول والكتابة، يتناول الآثار السينمائية بالتمييز والتحليل إذ يعتبر كلا من التمييز والتحليل عنصران هامان حيث من دونهما لن تقوم عملية النقد، فهما يمثلان عنصر الجمال من خلال التمييز، والمعرفة من خلال التحليل، كون التمييز بنسبة للناقد يعتبر الدلالة الأولى التي تجعله يختار فيلما ما من أجل الاستقصاء، فينحصر هذا الاختيار لأسباب منها الشخصية وكذا الموضوعية. فمن هو الناقد؟
الناقد الممتاز عند (فولتير) Voltaire هو الفنان الذي لديه كثير من العلم والذوق ولا يعرف الحسد، أو تعرف الآراء المسبقة السبيل إلى نفسه، فالناقد له مسئولية مثالية في تنوير الرأي العام وعدم إصابة جموع المتلقين بالتغييب الثقافي، ولن يتأتى هذا إلا بالمشاركة في إيصال الثقافة العامة والخاصة لهم، عن طريق التفسير الفني تارة، والتقدير والحكم الجمالي تارة أخرى. في حين، يعتبر الناقد السينمائي إلى حد ما وسيط بين ميادين حيوية بالنسبة للعمل السينمائي، وهذه الوساطة ليستبين بالعمل السهل، وكل وساطة فهي لا تعمل لمصلحة طرف معين، وإنما تعمل على المصالحة، وفي النهاية تعمل على إيجاد الحقيقة، وهذا الهدف ليس جديدا على تاريخ الإنسانية الذي يجمع بين الشخصية الحية والتعبير الممتاز.
بينما يذكر الناقد السينمائي الأمريكي (روجر مانفل) Roger Manvel في مؤلفه “الفيلم والجمهور” أن الناقد كان في الماضي عادة إما فيلسوف؛ مثل: (أفلاطون) Platon أو (أرسطو) Aristote أو (لسنج) Lessing . أما من الناحية المقابلة فنانا أو أدبيا منتجا يتحول من وقت لآخر إلى النظر في المبادئ الجمالية لفنه؛ أمثال: (ليوناردو دافينتشي) Léonard de Vinci و(سير جوشوا) Sir Joshua Rowley ، (رينولدز) Reynolds، و(جون كيتس) John Keats، و(ذروث) Drouette، و(ماتيو أررنولد Matthew Arnold ، وكانت شهرتهم تستقر أحيانا على أعمالهم، كناقد أكثر مما تستقر على أشكال الإبداع الأخرى التي يمارسونها. فالسينما هي تعبير جمالي ودرامي بالصوت والصورة، وأن السينما هي الحياة بعينها، أما النقد السينمائي فغالبا ما تشوبه تلك الصبغة الأدبية التي ليست لها صلة بالسينما.
فماذا يشترط في الناقد السينمائي؟
يشترط على الناقد أن يتفحص ويمحص جيدا أبعاد تجربته الشخصية والأولية، ليحدد ويصرف النظر عن المنهج الذي يركن إليه ويجده مناسبا. يجب أن يكون تناوله للعمل السينمائي واضح المعالم، إذ يحدد بوضوح أهدافه، وجوانب القصور التي تحدق بالقضايا المتعلقة به، ومن ثم فإن مقارنة بين عمليين سينمائيين قد تكون إحدى السبل للمعالجة النقدية، وهذا بعد تحديد اصطلاحات وجوانب المقارنة الشكلية أو التاريخية أو غيرها، والتي يمكن أن تمثل لقطة البداية لدراسة نقدية جادة نتيجة لما يمكن أن يحمله صانع العمل السينمائي من أهمية في إيجاز التعبير؛ رموز ودلالات وشخصيات وتكوينات تشكل بتظافرها، جمالية الصورة السينمائية، وعناصر اللغة السينمائية.
تبقى صلة النقد بالسينما صلة وثيقة، نظرا لكون النقد يتمحور بالأساس حول الفيلم، فينبع منه ويصب فيه، ويمكن القول إن النقد السينمائي هو النظرة الموضوعية والشاعرية للأثر السينمائي أساسها الغوص في خفايا العملية الإبداعية، وطرح مكوناتها الفكرية الجمالية أمام المتلقي حتى يتسنى له التمتع بها. وعليه، فإن الأساس الأول في النقد السينمائي أساس مزدوج نابع من ازدواجية طبيعة السينما من حيث هي فن ومن حيث هي صناعة.
فكيف ذلك؟
ليس على الناقد السينمائي فحسب أن يلم، ويكون من المسلم به أن تتضاعف مهمته من حيث أنه يمتلك فن النقد، وإنما عليه أيضا أن يلم بأنه يشتغل بصناعة سينمائية. ولا شك أن عبارة “يلم” هنا كلمة متواضعة، فالأصح أن نستبدلها بعبارات؛ مثل: (يدرك ويحيط ويجيد…) في الوقت الواحد. وبالتالي، فإن النقد ليس مجرد مهنة، ولكنه منهج شامل للتفكير يتيح القدرة على التحليل والفرز والتفكيك والمقارنة والحكم؛ باعتباره موقف إنساني وعام من الحياة وليس فقط من الأعمال الفنية والأدبية. ومن أجل ذلك ففي كل بقاع العالم لا يذهب الناس إلى السينما فقط من أجل حبهم مشاهدة الفيلم ونقده، وإنما يذهبون أولا وقبل أي شيء من أجل حبهم وولعهم بها، ومن أجل أن يستمتعوا ويتذوقوا الفيلم.


















