السينما المغربية في ديار المهجر

هيئة التحرير
نشرت منذ 7 أشهر يوم 10 أبريل, 2026-4 مشاهدة

 

بقلم  الناقد محمد مجاهد – المغرب.

كثير من المهاجرين المغاربة المقيمين بديار المهج، سواء بأوروبا، أوأمريكا، أو دول آسيوية، أو حتى دول عربية أخرى، اهتموا بمختلف أنواع الفنون، إذ منهم من حافظ على حسه الفني السينمائي، وبحث في تطوير ملكته الإبداعية، ارتباطا بما يناسب هويته المزدوجة وأحيانا لا يغيب عن هويته الأصل المغربية. هذا ما ساهم في إبراز عدد من الأسماء السينمائية، الذين لم يجدوا مانعا في الاشتغال السينمائي انطلاقا من إقامتهم في المهجر، بل ربما تمتعوا بدرجة أقل قسوة من فناني الداخل، رجوعا إلى الهاجس المادي الذي يعيق انطلاق الكثير من الفنانين الراغبين في التطور والاستمرار باحتراف في السينما داخل المغرب .

إذا كانت السينما داخل المغرب تعيش تحولات متدبدبة داخل سياق الإنتاج و انتظار دعم المؤسسات، فإن سينما المغرب بالخارج تعرف يسرا ماديا شخصيا خاصة حينما يتعلق الأمر ببداية المشوار مع الفيلم القصير بصنفيه الروائي والوثائقي . لهذا نجد إسهامات العديد من الفنانين المغاربة بالخارج تستطيع صناعة سينمائية تخص الفيلم القصير، تجد مكانتها داخل المغرب و قد تسيطر على جوائز المهرجانات لجودتها التقنية، خاصة وأن الفيلم القصير يعتمد على فلسفة الصورة المعبرة أكثر من الموضوع و الحوار المباشر .

وقد تحمل سينما المغرب بالمهجر حمولة مزدوجة بين الحنين إلى الجذور والهوية الأم، وبين التغلغل داخل ثقافة مغايرة تجعل من التجربة السينمائية أكثر جرأة تمر على الطابو المغربي. لهذا يعتبر فنانوا المهجر بحكم احتكاكهم بالسينما العالمية، أن السينما المغربية راسخة في كل ماهو محلي ولازالت بعد لم تخط خطواتها نحو العالمية، رجوعا إلى مواضيعها المجتمعية التي تخص تمثيل الخصوصية الثقافية و الاجتماعية، وهذا ما يسقطها في إنتاج صورة نمطية بدل أن تشتغل على تخصيب العطاءات المنفتحة على العالم . وهنا تأتي التجربة السينمائية المغربية بالمهجر غالبا بما يمتعض له الجمهور المغربي الذي يرى أن الجرأة المباشرة في التعبير المكتوب أو المصور لدى بعض المواضيع تزيغ عن سبيل قيمه المجتمعية، فيرفضها رفضا باثا لأنها تخلق كثيرا من الحرج داخل الأسر وبين أوساط الناس بصفة عامة . والحقيقة أن الجمهور المغربي لا يرفض الجرأة التي يأتي بها صناع السينما المغاربة بالمهجر بقدر ما يرفض ما يعارض قيمه من فضح ما هو عيب فيها، وهذا من حدود العرف المجتمعي لدى كل المجتمعات بالعالم . كما أن الجمهور المغربي لا يمانع في تطوير الموضوع السينمائي المغربي بما يناسب الانفتاح العالمي، وذلك بالتطرق إلى مواضيع ذات أهمية كونية و إنسانية بامتياز، بعيدا عن اجترار مفاهيم محلية، كما يمكن مناقشة مجموعة من الظواهر العالمية داخل قالب مجتمعي محض، فهناك من استطاع مثلا مناقشة تيمة الإرهاب كموضوع وآفة عالمية لكن بصيغة مجتمع معين، ونجح في إبراز الصورة السينمائية الحقيقية داخل وخارج البلد، حيث يمكننا أن نستحضر هنا المخرج المغربي :”عز العرب المحرزي العلوي” وغيره آخرين الذين اشتغلوا على تراب المغرب و ناقشوا مواضيع متنوعة، عبروا بها إلى ألباب الجمهور العالمي برمته، بالمقابل يمكن استحضار التجربة السينمائية للمنتج المغربي: “نبيل عيوش” الذي تحمل سينماه خصوصية في غالب أحيانها تلقى رفضا لدى الجمهور المغربي لطابعها المنفتح على أكبر درجة من التعبير الجريء.

لا يتعلق الأمر بالجمهور المغربي فحسب، بل حتى الجمهور المغربي بالمهجر يهفو إلى التعرف على هويته من داخل السينما المغربية، لذلك تجده تواقا إلى الحضور بالقاعة السينمائية بالخارج كلما تعلق الأمر بعرض فيلم مغربي، باحثا عن مجتمعه داخله.

لهذا ننبه فناني المهجر إلى إعادة التفكير في علاقة السينما المغربية بجمهورها سواء داخل أو خارج المغرب، لأن الجمهور المغربي يبحث عن سينما تتشكل من خلال ملامح قادرة على أن تكون محلية في جذورها و عالمية في أفقها. يظل هذا الرهان مطروحا من أجل تحويله إلى طاقة إبداعية مشتركة /داخلية وخارجية، لتساهم في إغناء المشهد السينمائي المغربي و تمنحه نفسا جديدا قادرا على مواجهة تحديات الحاضر واستشراف المستقبل .

إن النظر إلى السينما المغربية من خارج الحدود، على يد صناعها المغاربة المغتربين لا يعني القطيعة معها، بل يجب اعتباره شكلا من أشكال الانخراط في تطويرها. ففناني المهجر يمتلكون تراكمات معرفية و تجارب متعددة يمكن أن تشكل قوة اقتراحية حقيقية في إطار إعادة صياغة الأسئلة الكبرى التي تواجه الحقل السينمائي ارتباطا بإشكال الهوية، الأسلوب، والجمهور. و ذلك بغية الانتقال بالسينما المغربية من وضعية المقاربة بين سينما الداخل وسينما الخارج إلى أفق التفاعل الهادف بينهما، بما يسمح ببناء مشهد سينمائي مغربي أكثر تعبير عن ذاته في عالم تمسح فيه الحدود وتتشابك فيه الهويات، ترسيخا لإثبات طموح الشعوب في السلام و التعايش الأخوي .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق