الدراما التلفزيونية بين العرض والنقد.

هيئة التحرير
نشرت منذ 7 أشهر يوم 10 أبريل, 2026-2 مشاهدة

بقلم  الناقد محمد مجاهد – المغرب.

يشهد المشهد الدرامي التلفزيوني المغربي في السنوات الأخيرة دينامية لافتة، سواء من حيث حجم الإنتاج أو من حيث الحضور المتزايد في الشبكات البرمجية، خاصة خلال المواسم الرمضانية. هذا الحضور الكثيف يعكس رغبة واضحة في ترسيخ صناعة درامية وطنية قادرة على المنافسة وجذب الجمهور، لكنه في الآن ذاته يطرح أسئلة جوهرية حول جودة المضامين، وعمق المعالجة، وحدود التجديد الفني. وبين منطق “العرض” الذي تحكمه نسب المشاهدة، ومنطق “النقد” الذي يقيس القيمة الفنية والفكرية، مما تتشكل معه ملامح تجربة درامية تستحق الوقوف عندها قراءةً وتحليلاً.

تحليل:
أولاً: على مستوى الموضوع (المضمون).
لا يمكن إنكار التطور الكمي الذي عرفته الدراما التلفزيونية المغربية، حيث تضاعف عدد الأعمال المنتجة بشكل ملحوظ، وتعددت العناوين بشكل يعكس حركية إنتاجية نشيطة. غير أن هذا التعدد يخفي في كثير من الأحيان وحدةً على مستوى المواضيع، إذ تتكرر نفس التيمات المرتبطة بالصراع العائلي، والخيانة، والبحث عن المال، مما يجعل المشاهد أمام إحساس بالتكرار وفقدان الدهشة.
كما يلاحظ تشابه في بناء المشاهد والحوار، حيث تكاد الفضاءات الدرامية تنحصر في ثنائيات ثابتة: الخارج (الشارع والمقهى) والداخل (الشقق ومراكز العمل)، دون انفتاح كافٍ على تنويع الفضاءات أو استثمارها دلالياً. هذا التكرار البصري ينعكس سلباً على جمالية السرد ويحد من إمكانيات التعبير الدرامي.
في المقابل، يسجل تطور لافت على مستوى الجنريك وأغاني المقدمات، التي أصبحت في كثير من الأحيان عنصر جذب مستقل، يعكس وعياً متزايداً بأهمية الهوية السمعية والبصرية للعمل.
وعلى مستوى البناء الدرامي، يلاحظ اعتماد مفرط على عقد المواجهة المباشرة، وتصعيد الصراعات عبر العنف اللفظي والجسدي، بل واللجوء إلى جريمة القتل كحل درامي سهل، مصحوباً أحياناً بصوت صاخب يفتقد للهدوء والتدرج. كما أن بعض الأعمال تذهب نحو خلق مواضيع متخيلة أو مبالغ فيها، مثل مأسسة التسول أو الاتجار المنظم في الأطفال والرضع، بشكل يفتقر أحياناً إلى الواقعية أو المعالجة العميقة.
ومن النتائج اللافتة أيضاً، تعميق صورة التوتر والانفصال في علاقة الرجل والمرأة، حيث تقدم العلاقات غالباً في سياقات صراعية متوترة، دون تقديم نماذج بديلة أكثر توازناً أو إنسانية.
و مما يزيد في توسيع هوة العطب الموضوعي عدم الاهتمام المنطقي بالإطار الزمني ، أمام تقليص مدد تطوير الأحداث خاصة حينما يتعلق الأمر بالمرض الخطير و العلاج في نفس الحين ، و الغياب الطويل ثم الظهور ، و طرق معالجة الملفات القضائية ، ناهيك عن السقوط في الحلول السريعة و الغريبة .و ذلك دون تغيير ملحوظ على الشخصية التي تبقى ثابتة بنفس السحنات و اللباس.

ثانياً: على مستوى الشكل (اللغة الفنية).
على مستوى الإخراج، نلمس تبايناً واضحاً في الرؤى الفنية؛ فبين أعمال تكتفي بتناول سطحي مباشر، وأخرى تحاول الغوص في عمق الشخصية (المشخّص) واستبطانها، تتأرجح جودة المنتج الدرامي.
كما تعتمد العديد من الأعمال على سرد سلس وبسيط، لكنه في الغالب يفتقد للانفتاح على مناظر طبيعية تعبيرية يمكن أن تشكل موازاة جمالية ودلالية للمشاهد، مما يحرم الصورة من بعدها الشعري والرمزي.
ويبرز أيضاً غياب أو ضعف الموسيقى التصويرية المشوقة، التي تعد عنصراً أساسياً في تعميق الإحساس الدرامي، مقابل التركيز على الحوار المباشر كوسيلة أساسية لنقل المعنى.
في المقابل، يتم التعويل بشكل كبير على أداء الممثل (المشخّص) في بناء اللحظة الفنية، حيث يتحمل الممثل عبء إقناع المتلقي وإضفاء العمق على الشخصية، في ظل محدودية بعض العناصر الأخرى. كما يظهر تطور ملحوظ في جودة الآلة التقنية، سواء على مستوى التصوير أو المونتاج، ما يمنح الأعمال شكلاً بصرياً أكثر احترافية، حتى وإن لم يواكبه دائماً تطور مماثل في المضمون.

خلاصة:
يمكن القول إن الدراما التلفزيونية المغربية تعيش مرحلة انتقالية بين وفرة الإنتاج والبحث عن الجودة. فبينما تحقق تقدماً على مستوى الكم والتقنيات، لا يزال الرهان قائماً على تجديد المواضيع، وتطوير الكتابة الدرامية، وتعميق الرؤية الإخراجية. إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إنتاج المزيد من الأعمال، بل في إنتاج أعمال أكثر صدقاً وابتكاراً، قادرة على ملامسة الواقع دون الوقوع في التكرار أو المبالغة. وفي هذا السياق، يظل البحث مفتوحاً أمام صناع الدراما للارتقاء بالموضوع واجتهاد الإخراج، بما يواكب تطور رقم الإنتاج ويمنحه قيمة فنية مضافة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق