قصة قصيرة. (سيمفونية الحركة)
أحس الشاب عماد بالملل من يومياته الرتيبة وجلوسه ساعات كثيرة أمام شاشة لوحته الإلكترونية مستغرقا في العوالم الافتراضية وسيل من المشاهدات والفرجة التي لا حد لها.لذلك قرر تغيير بعض الظروف حوله واستأذن والديه في الذهاب عند جدته بالقرية.وفي صباح الغد ذهب لزيارة جدته التي اشتاق لها وفرح كثيرا لترحيبها به فهي دائما تحيطه بكثير من الاهتمام ومنذ صغره كانت تنظر إليه وتقول له بأنه سيكون شخصا مهما حين يكبر.حين وصل إلى بيت جدته وجد ابريق الشاي أمامها على المائدة فدعته لشرب الشاي معها وجاءته بخبز رقيق يسمونه خبز المقلاة،كانت قد أعدته هذا الصباح فوجده لا زال دافئا يفتح الشهية للأكل ،قدمته له مع بعض الزبدة البلدية الطرية فاكل منه وشبع وشكرها كثيرا.بعد ذلك خرج من منزلها ليقوم بجولة في القرية ،فشعر بارتياح كبير وهو يستنشق هواء القرية الصافي ويمتع بصره برؤية المساحات الفسيحة الخضراء.استمتع بصفاء وهدوء الأجواء هناك ومر بجانب الحقول الزراعية فأعجبته بعض الأغراس التي بدأت تنمو وتعلو برؤوسها وتداعبها رياح خفيفة تميل بها أحيانا إلى اليمين أو إلى اليسار وهي متمسكة بكبرياء إطلالتها.
انتهت به الخطوات إلى واد تجري مياهه صافية كأنها مرآة تبدو فيهاأحجار ملساء في الأسفل ،مستسلمة لتدافع المياه بينها.جلس عماد على صخرة بجانب الواد وهو يتأمل هذه المناظر الطبيعية التي يفتقدها في المدينة.نظر إلى البعيد حيث الحقول والأشجار فأدرك كيف أن كل عناصر الطبيعة تشارك في إمداد الحياة بأسرار البقاء، وكيف سخر الله بقدرته كل الكائنات للقيام بدور معين حتى تبقى الحياة في حركة دؤوبة لا تتوقف.لاحظ عماد أن حركة الهواء والماء والأغراس وتفتح أكمام الزهر،وامتداد ظلال الأشجار وعمل الفلاحين في مزارعهم،كل ذلك علامات حياة يقوم فيها كل عنصر بدور معين .أحس عماد وهو الشاب ذو الخامسة والعشرين من عمره بصفاء في ذهنه وإشعاع طاقة داخلية تدعوه للانخراط في حركة الحياة والابتعاد عن كل خمول وكسل،وكأن هاتفا خفيا يناديه ليشارك في سيمفونية الحركة وإيقاعاتها. إنه فعلا نداء يتردد ويحرك عقل عماد ومشاعره كأنه ينفض عنه غبار الخمول ليخرج من دائرة فراغ كبيرة عطلت حواسه الحقيقية لمدة سنة كاملة بعد حصوله على الإجازة في العلوم الاقتصادية.انتفض عقل عماد كما ينتفض ريش عصفور صغير يهم بتحريك جناحيه .
رفع الشاب عماد رأسه ينظر إلى السماء وهو متأثر بكل عناصر الطبيعة المتحركة والمحيطة به فرأى سحبا خفيفة متفرقة تكسو السماء، وقال لنفسه سأعتمدفي صمت:”كم كنت غبيا حين استسلمت للراحة والعبث،لكنني سأتغير وأستجيب لنداء الحياة والفعل الإيجابي. على نفسي ومعلوماتي ومكتسباتي العلمية فلا نفع لعلم لا يبدو أثره في الحياة.علي أن أنخرط في أي عمل وأتجاوز كل الصعوبات لأحقق ذاتي” .بهذه الروح المتجددة وهذا العزم عاد عماد إلى بيت جدته بعد جولته بالقرية.قدمت له وجبة الغداء فأقبل عليها يلتهمها ويتلذذ طعم الأكل،وهو يسترجع مع جدته العزيزة ذكريات طفولته مع إخوته وأبناء أعمامه حين كانوا يزورونها.بعد ذلك اتصل عماد بوالده وأخبره بأنه ربما يعود في الغد ولن يتأخر كثيرا لأنه عازم على القيام بأي عمل مما اقترح عليه والده سابقا حتى يكون فاعلا ومنتجا بدوره في المجتمع.فوجئ الأب بكلام ابنه وعبر له عن فرحه بهذا القرار والعزم….فهل هو فعل الطبيعة بإلهامها وأسرارها تعيد للنفس الكثير من التوازن والهدوء والتصالح مع الواقع والذات،أم هو التحرر من العوالم الافتراضية التي كانت تعطل حرية الفكر والارادة؟!! . سعاد الرايس


















