د. عزيز زروقي.
لقد كان مسرح الشعب في المغرب هو الفرجة، هو ذلك الطقس الاحتفالي حيث يلتقي الراوي و الحلايقي والمداح والمنشد، مع الجماهير الواسعة في المآثم والاحتفالات، في الأسواق والشوارع والدور والزوايا، وكانت فرق الفلكلور تربط القضية بالرقصات والأهازيج والحوارات والحركات. فقد كان هذا الصنف من المسرح بدائيا، عاش حياته في الهواء الطلق، بعيدا عن بنايات المسارح، لكنه كان حاضرا متفاعلا مع الجماهير في الشوارع والساحات والزوايا والقاعات العامة كأي فن آخر من الفنون الشعبية، ينطلق من الحس الشعبي، ويعود إليه، يتداخل معه في طرح الهم العام، ويفترق عنه في الهم نفسه. حيث أصبحت الحاجة ماسة إليه، لبلورة الفكر السياسي التحرري والنزعة الوطنية من خلالها. ولو لم يصل المسرح من المشرق، لوصل من جهة أخرى، ولاهتدوا إلى طريقة أخرى تتيح لهم اللقاء والتجمع.
أ ـ تأثير زيارات الفرق الأوربية:
يرى حسن السايح أن تطور تفكيرنا الأدبي جاء نتيجة الاتصال الثقافي بيننا وبين الآداب اللاتينية والسكسونية المعاصرة. فالمسرح في صيغته الأوربية، لم تحمله رياح المثاقفة إلى المغرب خارج الأهداف الاستعمارية التي كانت تسعى قبل كل شيء، إلى طمس التاريخ والهوية الثقافية، فالعروض المسرحية الأولى التي شاهدتها الخشبة بالمغرب مطلع القرن العشرين، تكرست مع طوابير الجيوش الغازية سنة 1912م، فكانت عروضا أوربية صرفة، استعمارية صرفة، في أشكالها ومضامينها وتوجهاتها، تخدم الذوق الأوربي، وتكرس القيم الاستعمارية(). تعكس فكر وأخلاق وقيم الظاهرة الاستعمارية بمختلف تشعباتها والتي لا علاقة لها البتة بقيم ومصالح الشعب المغربي المستلب والمهمش، بسبب جرة قلم أقحمته في دوامة الحماية سنة 1912م ().
يبدو طبيعيا وصول التأثير الفرنسي عبر المسرح إلى المدن المغربية من بينها مدينة وجدة كأول المدن التي دخلها المستعمر بقيادة الجنرال )جورج ألبير جوليان كاترو) ( Georges Albert Julien Catroux (سنة 1907م، لذلك فقد عملت السلطات المحلية الاهتمام بالمسرح كوسيلة للترفيه وتثقيف مواطنيها الأجنبيين بالمغرب، حيث نجد بعض الفرق الفرنسية التي كانت تزور المغرب من حين لآخر، ولاسيما ما كان يعرف باسم (les amis du théâtre français) إلى جانب بعض المثقفين الجزائريين الذين كانوا يفدون إلى المغرب لتقديم السهرات الفنية. وكانت جل مسرحياتهم عبارة عن مقاطع كوميديا فرنسية ولاسيما المولييريات، أو مقاطع مسرحية قصيرة تهدف إلى الإشادة بفرنسا وتاريخها وأمجادها وتقاليدها. كل ذلك طبعا من أجل ترسيخ الفكر الاستعماري في نفوس المغاربة، ومحاولة إبهارهم بحضارة أوربا قصد طمس ثقافتهم وتقاليدهم الوطنية ().
حسب حسن المنيعي () فإن الإسبانيين كانوا يبعثون من حين لآخر بفرجات مختلفة لتسلية مواطنيهم القاطنين بطنجة، وهذا ما أثار فضول بعض شبان المدينة المثقفين الذين صاروا يتصلون بأعضاء الفرق الأجنبية، و يقلدونهم في أعمالهم، وعلاوة على ذلك فإن مدينة البوغاز كانت تتوفر على مسرح (سرفانطس Cervantes) الذي شيد عام 1912م، أضف إلى ذلك أن طابعها الدولي كان لابد وأن يحفزها إلى الاستفادة من بعض التجارب الفنية. زد على ذلك أن الإدارة الإسبانية كانت تبدو متسامحة، مما أتاح لبعض المؤسسات الفنية بإسبانيا كراء التجهيزات اللازمة للفرق الطنجية، كما أن بعض الفنانين الأجانب كانوا يساعدونها في تهيئ المسرحيات.
أكد أحمد مدينة()، أن سنة 1670م هي سنة بداية زيارات الفرق الأوربية كالفرق الأندلسية والإسبانية لمدينة تطوان، وكان المؤسس الأول للمسرح بها هو “فرنسيسكو بلاري” وخلفه “دروتيودي كارلوس”، فتقدمت السنيما والمسرح في عهده تقدما ملموسا، إذ أسس في سوق الزرع دارا للعرض في الهواء الطلق سماها “سينما بارك”()، كما عرفت مدينة تطوان زيارة فرق فرنسية والتي أشار إليها عبد القادر السميحي() بأنها قامت بعرض مسرحية “غادة الكاميليا” بمسرح سرفانطيس بتطوان، وهي فرقة الممثلة “سبرسيل سوريل”. كما أورد مصطفى بغداد () مقالا لجريدة “السعادة ” أشار فيه إلى زيارة فرقة فرنسية لتازة، والتي قدمت “مسرحية البخيل” للكاتب ( موليير Molière). والملاحظ أن مشاركة بعض الفرق المغربية للفرق الأجنبية في جولاتها كما حدث لفرقة “راديو المغرب” مع فرقة المسرحي (جورج بيوطويف)، ومساهمة المستعمر في بناء المسارح والقاعات السينمائية، كمسرح “سرفانطيس” بطنجة سنة 1913م. الذي كان متنفسا للحركة الوطنية في عهد الحجر والحماية، وملتقى رجالات الحركة المسرحية والفكرية، وبين جدرانه ترددت الهتافات الوحدوية، ومن فوق خشبته ارتفع صوت المغرب طالبا الانعتاق والتحرر والاستقلال والوحدة ()، و”المسرح البلدي بالدار البيضاء” سنة 1921م، و”المسرح البلدي بالجديدة” سنة 1937م وغيرهم. فبالرغم من وجود هذه المسارح، فالمسرحيون كانوا يضطرون إلى عرض مسرحياتهم في الساحات العمومية والحدائق، لأن الترخيص لهم بعرض مسرحياتهم كان أمرا صعبا، لذلك نجد أنهم كانوا يعتمدون أيضا على القاعات السينمائية )سينما اسبانيول بتطوان، سينما النهضة، وسينما رويال بالرباط، وسينما الريجا بمكناس(.
ب ـ تأثير زيارات الفرق المشرقية:
لا يجب أن نغفل تأثير زيارات الفرق المشرقية للمغرب، التي أثرت على المسرح المغربي، والتي اضطلعت بمسؤولية مهمة، وفي مقدمتها نشر الوعي، وجعلت من زيارتها فرصة سانحة لإيقاظ إحساس الشباب، وتحريك هممهم، وشحذ قرائحهم وعزائمهم بولوج الميادين المسرحية والمساهمة فيها.
أكد عبد الله كنون في كتابه “أحاديث عن الأدب المغربي” عن اتصال الشرق العربي بالحضارة الأوربية قبل المغرب، خاصة الشام ومصر والعراق، الذي عرف حركة علمية وأدبية نشيطة، ويلاحظ الدكتور إبراهيم السولامي ()، أن الصلة بين المغرب والمشرق لم تنقطع مند دخل الإسلام هذه الأراضي، فاتصال المغرب بالشرق تطور عبر الحقب والأجيال، ولم يعد مقتصرا على الحج و الرحلات، وإنما لعبت الصحف والمجلات والإذاعة فيما بعد دورا أساسيا في ذلك الرباط الوثيق. ومنذ أن قررت فرقة مصرية بقيادة سليمان قرداحي القيام بجولة مسرحية خارج بلادها بتونس سنة 1907م، ثم إلى الجزائر()، حتى أخذت الفرق الأخرى بالتحرك والوصول إلى المغرب.
هبت رياح التطور الأدبي من مصر لتشمل المغرب، فبالرغم مما قام به الاستعمار من محاولات لعزل المغرب عن المشرق، حيث نجد أن حسن المنيعي وجل الدارسين يجعلون من زيارة فرقة محمد عز الدين المصرية للمغرب سنة 1923م ميلاد المسرح بالمغرب()، وبداية الاتصال بين المسرح المشرقي والتمثيل المغربي، ذلك أن زيارتها فسحت الطريق للقاء الإخوة بعضهم ببعض بعد طول غياب(). فرقة حلت بالمغرب لتعويض إجحاف الإدارة الاستعمارية، وضرب هذه الإدارة في صميم أهدافها الثقافية()، فمنذ قدومها أخذ المغاربة يتهافتون على عروضها بما في ذلك العلماء وأعيان المدينة ورجال الأدب والفكر، حيث أنه قد نجد مخبرا لمصالح )الاستعلامات( ينتظر أن تشرع المجموعة في التمثيل ليعلم السلطات الفرنسية بالتلفون عن سير الأمور().
اللقاء بين فرقة محمد عز الدين والشعب المغربي خلال هذه الفترة، لم يكن لقاءا عاديا، فلقد اتسم بالحماس الكبير، تذكيها المضامين الحماسية المعروضة بشكل خطابي متواتر ساعدت على إيجاد تحول ايجابي على مسرح الفرجة، وعن مسرح الإدارة الاستعمارية(). وأمام هذا الحماس والاستقبال الحافل، قامت الفرقة بجولات عبر كبريات المدن )طنجة فاس، الرباط، مراكش) وقدمت أكثر من مسرحية منها: ” شهداء الغرام ” التي ترجمها نجيب الحداد عن “روميو و جوليت” لشكسبير، ملبية دعوة سائر الذين كانوا يضيفونها عقب كل عرض. وكان السلطان مولاي يوسف نفسه قد فتح باب قصره في وجه أفرادها، كما عبر عن كرمه وتذوقه للفن المسرحي بتسليم “وسام” لرئيس الفرقة ()، حيث رأى المغاربة خاصة في مسرحية “صلاح الدين ” فرصة للتعبير عما يعانونه من المحتل الأجنبي بحضور إخوة لهم لا تتاح فرصة اللقاء بهم إلا نادرا، وما كان الاستعمار ليسمح بهذه اللقاءات لو لم تتخذ من المسرح وسيلة تحتمي بها ().
خلال نفس السنة من 1923م زارت المغرب فرقة تونسية برئاسة: الشادلي بن فريحة وتجولت عبر عدد من المدن، وقدمت مسرحيات مقتبسة عن موليير. وخلال 1924م، وحلت فرقة تونسية أخرى بتعاقد مع بلدية فاس، وهي: “الفرقة المختلطة” بمشاركة حسن بناني، وعبد الرزاق كرباكة، وقدمت مسرحيات: “صلاح الدين” و”روميو وجوليت” و”الطبيب المغصوب ” المقتبسة عن موليير().
تكمن أهمية الزيارة التي قامت بها فاطمة رشدي سنة 1932م للمغرب وفي جعبتها مسرحيات كبرى: )مجنون ليلى ـ كليوباترا ـ محمد علي الكبير( وقوامها نخبة من أهل المسرح، لتقديم سلسلة من الحفلات في كل مدينة: فاس – مراكش- الدار البيضاء. تلك الجولة، التي ساعدت سلطات الحماية في الدعاية لها لتهدئة الخواطر وصرف اهتمام الوطنيين، إثر ظهير 16 ماي 1930م. إلا أنها جاءت بعكس ما كانت الإدارة الاستعمارية ترجوه، لأن عامة الشعب المغربي المضطهد وجد المناسبة سانحة في التجمعات، وحفلات التكريم، لتجديد الالتئام والالتحام وفرصة لتوعية الجماهير، ولربط الصلة بإخوان يمثلون عزة أوطان العرب والمسلمين قبل أي تمثيل(). وقد صرحت فاطمة رشدي في أحد اللقاءات الشعبية: ” وإذا يسر الله و قدر لنا أن نأتي للمغرب في السنة القادمة، لا نرتاب في أننا سنجد بحول الله البذور التي غرسناها أثمرت، وأتت أكلها بفضل الله”().
مكنت هذه الفرق الأجنبية سواء الأوربية أو المشرقية في إحداث طفرات في بلادنا، وحركت بسرعة رد الفعل الفوري من طرف العناصر الثقافية المغربية المتفتحة، إلى المبادرة بإمكاناتها المتواضعة لتأسيس مسرح مضاد تصان به الهوية المغربية، وتضرب غايات المسرح الاستعماري في صميم أهدافه الثقافية، مؤسسة بذلك فرقا مغربية أولى جعلت القضية الوطنية، هدفا لكل عمل مسرحي بفضل مجهودات رجال الفكر والثقافة المغربية. فكيف كانت المواجهة والمقاومة في المسرح المغربي؟ ورد فعل المستعمر؟ هذا ما سنراه في المحور الثالث.

















