بقلم الحسن سنداني – المغرب
يقال إن الذاكرة ليست صندوقًا نخبئ فيه الماضي، بل قبرًا نعيش داخله ونحن أحياء. وأنا، بعد أربعين عامًا من الخيبات، ما زلت أعيش في قبر حفره حب واحد لم يُكتب له أن يكتمل.
لم أكن شاعرًا ولا فيلسوفًا، كنت مجرد فتى عادي يركض مع أصدقائه — فريد، حسن، والعموري — نملأ الأزقة بالضحك، ونقتسم فتات أحلام أكبر منا.
لكن قلبي كان يتجاوز كل ذلك. كان يختبئ خلف ابتسامة صامتة، ويخفي سرًا لا يبوح به لأحد: وجهها.
لم تكن أجمل فتيات الأرض، لكنها الوحيدة التي جعلتني أشعر أنني موجود. في عينيها كنت أكتشف أن للحياة معنى أبعد من الفوضى التي كنا نعيشها. كنت أرتجف كلما التقت عيناي بعينيها، وأشعر أن الدنيا تتسع، ثم تضيق فجأة حتى تسجنني في حبها.
ومرت الأيام، وجاءت اللحظة التي غيرت كل شيء. مدت يديها، وقدمت لي هدية صغيرة، ملفوفة بعناية. لم تكن وردة، ولا قلادة، ولا رسالة حب كما كنت أتصور… كانت رواية.
رواية أنارت طريقي وحفظتها في غيابها، ربما كانت تعلم أنها ستتخلى، وتعلم ماذا يفعل الفراق بقلب العشاق. لهذا فكرت أن تهديني رواية، لأبقى قويًا بوجودي مع نهاية مشوقة ، ومؤنسًا بصفحات الحكاية، ولكي لا أفقد العقل بعد فقدان الوجدان. إنها طيبة حتى في أفكارها الشيطانية؛ لا تجرح حتى تهدي الضمادة، ولا تحرق حتى تحضر المرهم.
تلك الرواية كانت أجمل ما تبقى لي منها. كنت أفتحها كلما أرهقني الغياب، وأقرأ بين سطورها ما لم يُكتب. كنت أشعر أنها ما زالت هناك، تنظر إليّ من خلف الكلمات، وتترك على صفحات الحكاية أثر ابتسامتها.
لكن القدر لا يرحم. تفرقت بنا الحياة، وصارت في رقبة رجل غيري، زوجة له وأمًا لأبنائه. أما أنا فبقيت أشيخ مع كل ذكرى، وأمشي في الطرقات كمن يحمل جرحًا لا يراه أحد، لكنه ينزف كل لحظة.
اليوم، والشيب يثقل رأسي، والمفاصل توخزني مع كل خطوة، لم يبقَ لي سوى تلك الرواية، وسوى غصة لا تفارق حلقي. عندها أيقنت أنني لم أكتب هذه الحكاية سدى، بل لأعلن أنني قد أكملت روايتي:
“ذكريات حب في أرض السفهاء”.
رواية لا تحكي فقط قصة حب ضائع، بل تعلن شهادة حياة ضاعت في مهبّ الانتظار.
الحب الذي لم أعيشه معها صار قبري المفتوح، أمشي داخله.


















