
سعاد الرايس
رغم الخراب والدمار الذي لحق بكثير من المباني في أحدالأحياء السكنية بمدينة غزة بعد القصف الذي استهدفها في الشهور السابقة، كان الناس الناجون من ذلك القصف يحاولون استرجاع إيقاع الحياة العادية والتشبث بالأمل. ففي أحد المنازل المتواجدة بهذا الحي بدت هذا اليوم مظاهر حركة واستعداد لحدث مهم.كانت أسرة فواز منشغلة بتزيين مدخل البيت وإعداد موائد للترحيب بالضيوف المدعوين إلى حفل زفاف أحد أبنائها.كانت مظاهر الفرحة تعلو الوجوه وتبدو أرجاء البيت في أبهى حالها،وفجأة وقفت جرافة كبيرة أمام باب المنزل ونزل منها أحد الجنود الإسرائيليين بيده ورقة سلمها لوالد العريس ليخبره بقرار هدم البيت حتى تغادر الأسرة المكان قبل بدء التنفيذ.نزل الخبر على الرجل وأهله كالصاعقة،وبمشاعر مختلطة بين الاستغراب والصدمة والخوف والإحساس بالقهر والظلم استجمع السيد فواز شجاعته واتصل بمحام يعرفه طالبا منه التصرف لإنقاذ الوضع.اندهش المحامي لما يحدث واتصل بسرعة بأعلى الهيئات الإدارية الإسرائيلية التي تصدر مثل هذه القرارات بحق المدنيين في غزة.بذل المحامي كل جهده لاقناع المسؤولين بالتراجع عن قرار هدم البيت ،لكن كل ما حصل عليه هو منح رخصة تأجيل تنفيذ القرار إلى الغد مراعاة لظروف الأسرة وحفل زفاف أحد أبنائها.عاد المحامي برخصة التأجيل وقدمها للسيد فواز والد العريس فانزاح عن صدره بعض الانقباض وسارع مع أهل بيته لإتمام استعداداتهم للحفل .وبعد الظهيرة بدأ المدعوون يتوافدون على البيت لانتزاع لحظات فرح رغم كل ما يهدد حياتهم من مخاطر،وما أبشع العدوان الذي يتربص بأبسط حقوق الناس الأبرياء ويخنق أنفاسهم في عبث بكل المشاعر الإنسانية. كان أحد الصحفيين الممثلين لوكالة أنباء عربية متواجدا في هذا الحي السكني وتابع بحسرة وألم ما حدث لأسرة فواز هذا الصباح وتعجب كثيرا لصمود أفراد هذه الأسرة الفلسطينية حتى يتجاوزوا الضغوط التي تفرض على حياتهم. هاهي أجواء العرس تعلو فيها الزغاريد وتقدم للضيوف أطباق الطعام يجتمعون حولها مباركين الزفاف للعريس وأهله.تتعلق نظراتهم جميعا ببعضهم البعض وتتصافح الأيدي والوجوه وفي العيون بريق عميق كأنهم يخشون ألا يلتقوا بعد هذا الحفل. مشاعرهم موزعة بين فرح اللحظة والخوف من الغد وبين الصمود واللامبالاة وتسليم أمورهم لله مع الإحساس بالانكسار والقهر أمام قسوة وطغيان الاحتلال.كان أفراد عائلة العريس لا يكادون يصدقون أن كل علاقتهم بهذا البيت ستنتهي بعد هذا اليوم،وكل ما كان يعنيه لهم سقف هذا البيت سينهار بمجرد انتهاء رخصة تأجيل قرار الهدم لتتمكن إدارة الاحتلال الصهيوني من إضافة مساحة هذا البيت إلى مساحات أخرى مجاورة قصد انشاء مستوطنة إسرائيلية جديدة.أما ماذا سيكون مصير أفراد أسرة فواز أهل البيت والأرض الحقيقين فهو المجهول.أحس الصحفي العربي الذي كان قريبا من بيت هذه الأسرة الفلسطينية بقساوة هذه الأوضاع ودمعت عيناه وهو يتعجب من أجواء احتفال وسط كل أنواع القهر والعدوان،وومضت في ذاكرته معاني إحدى قصائد الشاعر محمود درويش حين وصف نفسه وأبناء الشعب الفلسطيني بأنهم يمشون منتصبي القامة مرفوعي الهامة وهم يحملون نعوشهم على أكتافهم . سعاد الرايس


















