بعد شهور من الغربة خارج الوطن،فرح وإحساس بدفء الهواء والذات يغمران من جديد أوقات السيدة فضيلة بتواجدها في بيتها بمدينة سلا المغربية.لكن اليوم بعد أيام من عودتها من فرنسا أحست فضيلة بألم مفاجئ في إحدى ركبتيها يزداد حدة كلما أرادت الجلوس أو السجود أثناء الصلاة وهي في عمر الخمسينات يبدو أن الوهن بدأ يصيب عظامها.لذلك قصدت السيدة فضيلة هذا اليوم عيادة أحد أطباء جراحة العظام في مدينة الرباط.جلست في قاعة الانتظار تنتظر دورها بين الأشخاص المرضى المتواجدين هناك قبلها.مضى وقت قليل ثم جاءت امرأة في حوالي الثلاثين من عمرها جلست في المقعد المجاور لها يرافقها ابنها ذي السادسة من عمره حسب تقديرها . سمعته فضيلة يتكلم مع أمه بلغة فرنسية سليمة وتجيبه بعفوية من ألف التكلم بهذه اللغة.كانت اليد اليمنى لهذا الصبي معلقة معه ملفوفة بجبيرة الكسور،وكان يتحرك في قاعة الانتظار بعد أن مل الجلوس ويحاول أن يطل من نافذة العيادة فتنهاه أمه مخاطبة اياه دائما باللغة الأجنبية.في تلك اللحظة تذكرت فضيلة ابنتها المتزوجة في باريس ومحاولتها اليومية مع أبنائها الصغار ليتعلموا التكلم باللهجة المغربية بعد أن تأثروا بأجواء الديار الفرنسية وتذكرت السيدة فضيلة حفيدتها هناك وهي تلعب كيف كانت تحدث دميتها باللغة الفرنسية وتنهاها أمها لتتكلم بالعربية واللهجة المغربية. ألقت السيدة فضيلة نظرات أسف وحسرة على ذلك الصبي المغربي الجميل المرافق لأمه في العيادة.فقد أدركت فضيلة أن أم ذلك الولد تحرص على تعليمه لغة موليير لكنها تجهل عواقب تهميش لغته الأصلية وهي عواقب لها انعكاساتها على المجتمع كله حين يكبر أبناء الأجيال الجديدة وهم يفكرون بلغة أخرى بها يعبرون ويكتبون ويتواصلون فكأنهم ليسوا عربا.فكرت السيدة فضيلة بذلك وهي تقول في سرها(نشعر بالغربة خارج الوطن فإذا بالناس هنا في بلادي يكبرون غرباء وقد غزت الثقافة الأجنبية عقولهم )وفجأة نادت مساعدة الطبيب السيدة فضيلة لتدخل غرفة الفحص الطبي فنهضت وهي تخطو بخطوات ثقيلة بسبب ركبتها التي تكلمها.دخلت تلك الغرفة حيث وجدت الطبيب وأشار إليها بالجلوس بينما كان ينهي كلامه باللغة الفرنسية مع ألسيدة التي تساعده لتأتيه بملف طبي لأحد المرضى ذكرها باسمه.أحست فضيلة بحيرة وهي تريد أن تصف للطبيب حالة ركبتها المتكررة، هل تكلمه بلغة بلاد المهجر من حيث أتت أم بلغة الهوية والأصول المغربية.شعر راوي القصة هو الآخر بحيرة السيدة فضيلة فقد وصله شعورها وأستراليا للتغيير الذي طرأ على للناس في بلدها وعلى مستقبل أبناءالأجيال القادمة وفكرهم،وتركها تتكلم مع الطبيب حسب ما يجود به لسانها المتعلق بلغة الوطن،وفكر هذا الراوي. بحالة السيدة وهي التي تبحث عن علاج لركبتها العليلة حتى تقوى على النهوض من جديد بسلام، لكنه تساؤل بينه وبين نفسه هل ينهض المجتمع نهوضا سليما حين يهمش لغته ويكسر ركيزة مهمة من ركائز هويته ليتكئ على لغة غيره من الأمم ! !… سعاد الرايس
فضيلة —- قصة للأديبة المغربية سعاد الرايس


















