نورا الصقلي فنانة تراهن على الصدق خارج المساحيق

هيئة التحرير
نشرت منذ 7 أشهر يوم 10 أبريل, 2026-1 مشاهدة

بقلم : عزيز باكوش– المغرب.

في معظم المشاهد التي تظهر فيها الفنانة نورا الصقلي، لا تبدو لي كممثلة حافظة لدور مكتوب أسند إليها، بل كائنة تتقمص الألم بكل جوارحها. نظرات العينين، اكتئابها لا يعلن تصنعا وافتعالا، ذبول ملامحها صادق، وغضبها مقنع حتى النهاية. إنها في تقديري ذلك النموذج الصارخ للبطل الذي يتخلى تماما عن المساحيق، ويبتعد أطول مسافة عن “التجميل” لصالح الحقيقة والصدق التام. يمكنني إضافة إعجابي بشخصية سامية أقريو وعبد الله ديدان بنفس الحمولة.

أذكر أنني حتى زمن قريب مضى، كنت لا أفرق جماليا كما على مستوى المظهر بين المخرجة التازية الأنيقة ماجدة بنكيران، والنجمة الزيلاشية نورا الصقلي. فكلاهما تلفهما أمام الشاشة في نظري أناقة ساطعة وإلهام رباني.

نورا الصقلي ممثلة مغربية رأت النور بأصيلا في يونيو من العام 1970. خريجة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط. لها ريبيرتوار فني محترم في مجال المسرح السينما والتلفزيون. ومن بين مشاركاتها اللافتة في التلفزيون – لمحاين د الحساين – وسلسلة جحا يا جحا – وسلسلة بنات لالة منانة -لا سيما في جزئها الثالث الذي عرض خلال رمضان الحالي.

وتكاد تكون هذه السلسلة من بين نقط ضوء في المعروض الرمضاني الذي غالبا ما يسيطر عليه التباكي وتعواج القموم ومحاكاة شباب الدرب. حيث لعبت نورا فيها دور- بهية -سيدة حازمة وصادقة في انفعالاتها في الدفاع عن مواقفها وقناعاتها وحماية أسرتها. كما حازت على جائزة أفضل ممثلة لسنة 2024 ولسنة 2025.

لا أخفي سرا في اعتبار نورة الصقلي فنانة تُراهن على الصدق. كما أنها من بين الوجوه التي لا أشك في كونها تستوقف المتلقي الوفي في الدراما المغربية وتفرض عليه الاحترام، تبرز نورة الصقلي كحالة فنية خاصة، إنها تؤدي أدوارها بإتقان تقني وتذهب أبعد من ذلك نحو منطقة شديدة الحساسية، حيث يذوب التمثيل في التجربة الإنسانية الصافية.

في الجزء الثالث منبنات لالة منانة، ومن خلال نورا الصقلي في شخصية “بهية”، نكاد نلمس كائنا إنسانيا حقيقيا يتنفس الألم بصمت. في معظم المشاهد التي تظهر فيها، لا تمثل بل تتقمص الألم بكل جوارحها. ثمة اقتصاد لافت في الحركة، ووفرة دلالية في التفاصيل نظرة العين التي تقول أكثر مما يقوله الحوار، ذبول الملامح الذي يعكس انكسارا داخليا عميقا.

هذا الاختيار الجمالي – إن صح التعبير – ليس اعتباطيا. إنه وعي فني يُدرك أن الكاميرا لا تُخدع بسهولة، وأن المتلقي صار أكثر حساسية تجاه الزيف. لذلك، تراهن الصقلي على ما يمكن تسميته “التمثيل النظيف” أداء خالٍ من المبالغة، متحرر من القوالب الجاهزة، ومشبع بإحساس داخلي يجعل الشخصية تتكلم حتى في لحظات الصمت.

في أدائها، لا نجد ذلك الانفصال التقليدي بين الممثلة والدور وهنا تكمن قوة نورة الصقلي وقدرتها على نقل الإحساس لا عبر الخطابة أو الانفعال المفرط، بل عبر التفاصيل الدقيقة التي تمر أحيانا دون ضجيج، لكنها تترك أثرا عميقا في وجدان المشاهد.

يمكن القول إن حضورها في هذا العمل يشكل درسا ضمنيا في معنى الأداء الصادق، في زمن باتت فيه بعض الإنتاجات تميل إلى الاستسهال أو الاستعراض. إنها تذكير بأن التمثيل في جوهره، ليس تقمصا سطحيا لشخصية بل انخراطا وجدانيا عميقا في مصيرها وإنما تعيد الاعتبار لفكرة أن الفن يمكن أن يكون مرآة للألم الإنساني، لا قناعا له. وهذا، في حد ذاته، أحد أرقى أشكال الجمال الفني.

نورة الصقلي لا تسرق انتباهك بالصوت العالي، ولا بالانفعال الزائد، بل بذلك الهدوء المشحون الذي يسبق الانكسار. في حضورها شيء من الوقار الفني كأنها تؤمن أن الألم الحقيقي لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى عين تقول كل شيء ثم تصمت.

في بنات لالة منانة، التي شاهدت منها حلقتين بتقطع كانت “بهية” حالة إنسانية عميقة، عبرت من خلالها نورا إلى منطقة نادرة في التمثيل عند أهل الشمال حيث يصبح الصدق أسلوبا، والتجرد اختيارا والبساطة ذروة التعقيد.

أرفع القبعة… لأنها اختارت الطريق الأصعب أن تكون حقيقية في زمن يسهل فيه التمثيل، ويصعب فيه الإحساس.

أرفع قبعتي احتراما كتحية مستحقة لفنانة مغربية تعرف جيدا كيف تُصغي لنبض الشخصية قبل أن تنطق بها. لابد من الإشارة كذلك إلى أن الجزء الثالث من مسلسل “بنات لالة منانة” (2026) يضم نخبة من أبرز الممثلات المغربيات اللواتي يستحقن رفع القبعة – تحلو لي العبارة بلكنة الشمال أيضا . السعدية أزكون – في دور لالة منانة- سامية أقريو– في دور شامة – نورا الصقلي- في دور باهية- السعدية لديب- رحيمو– هند السعديدي– السعدية -نرجس الحلاق– في دور جميلة وهاجر الشركي، بالإضافة إلى وجوه جديدة لها مستقبل واعد مثل غيثة كيتان وتسنيم شحام…

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق