متابعة : عزيز باكوش
عندما تغلق آخر صفحة من كتاب ” أميج الفكرة والامتداد 1956 – 2026 ” تصبح كقارئ أكثر اقتناعا بأن الجمعية المغربية لتربية الشبيبة AMEJ عامة وفرع فاس الياسمين على نحو خاص – لم تكن مجرد إطار لتنظيم المخيمات أو ملء أوقات الفراغ، بل كانت مدرسة حقيقية لتكوين الأجيال. ففي فضاءات التخييم والرحلات والأنشطة الثقافية والفنية تعلم آلاف الأطفال والشباب مبادئ العمل الجماعي والتطوع والانضباط والحوار وقبول الاختلاف. كما شكلت الجمعية فضاء لاكتشاف المواهب وصقل القدرات، حيث تحولت المخيمات إلى ورشات مفتوحة للتربية على المواطنة والوعي الاجتماعي والثقافي.“
ونقرأ على ظهر غلاف نسخة الكتاب الذي جاء في 324 صفحة من القطع المتوسط من تنسيق وتقديم الدكتور عبد الرحمن حداد” سبعون سنة من الوجود سبعون سنة لياسمينة لم تتوقف يوما عن الفوح فكيف نقرأها وكيف نشهد عليها ؟ أبموضوعية باردة محايدة كما قد يفعل مؤرخ يقلب وثيقة أفلتت عنوة من النسيان؟ أم بحنين السنين ذلك المسجون والمتورط في زغاريد الأعراس والذكرى؟ ونحن نبحث عن فسحة بين برودة الموضوعية واستلاب النوستالجيا كان علينا أن تعترف أنه لا حياد في الحب وأننا حين نستل أقلامنا لنكتب عن جمعيتنا فنحن لا نكتب إلا ..عنا ” انتهى الإقتباس
والإصدار الذي جاء ممهورا بإهداء خاص في جوهره ومسعاه يقارب بوعي متقدم مسار الجمعية المغربية لتربية الشبيبة AMEJ باعتبارها محطة توثيقية وإنسانية مهمة تستعيد سبعة عقود من مسارها المشرق المفعم بالطموح والأمل . وبإجماع كافة الأطياف السياسية والثقافية تعد إحدى أبرز الجمعيات التربوية بالمغرب وأكثرها حضورا في ذاكرة أجيال من الأطفال والشباب والأطر الجمعوية.
يجمع هذا الإصدار عشرات الشهادات والذكريات والتجارب ليشكل في النهاية أرشيفا تاريخيا لجمعية تأسست سنة 1956،كي تستمر في مسار تربوي ووطني ارتبط بتاريخ المغرب الحديث و عانق تحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية منذ سنوات الاستقلال الأولى. وذلك من خلال شهادات مؤسسين ومناضلين وأطر تعاقبت على العمل داخل الجمعية.
في الكتاب يدرك القارئ كيف نشأت «أميج» في سياق وطني خاص كانت فيه الحاجة ملحة إلى بناء الإنسان المغربي بعد نهاية الاستعمار، ليس فقط عبر المدرسة، وإنما أيضا من خلال فضاءات التربية غير النظامية والتأطير الثقافي والتطوعي. لذلك ارتبط تأسيس الجمعية بأسماء وطنية بارزة من قبيل المهدي بن بركة ومحمد الحيحي ومحمد بنسعيد، الذين رأوا في التربية مدخلاً لبناء مواطن جديد يحمل قيم الحرية والالتزام والمسؤولية.“
ويخصص الكتاب مساحة مهمة للحديث عن الدور الوطني الذي لعبته الجمعية خلال العقود الأولى للاستقلال، خاصة من خلال مساهمتها في مشروع «طريق الوحدة»، سنة 1957 الذي اعتبر أحد أبرز الأوراش الوطنية في تلك المرحلة. فقد ساهمت أطر الجمعية في تأطير الشباب والمتطوعين، كما شاركت في برامج اجتماعية وثقافية متعددة، جعلت منها فاعلاً مجتمعياً حاضراً في قضايا الوطن والشباب. وتكشف الشهادات الواردة في الكتاب أن «أميج» كانت تحمل تصوراً مجتمعياً متكاملاً، يقوم على ربط التربية بالفعل الوطني والإنساني، وعلى اعتبار الشباب قوة أساسية في بناء المجتمع.
وباقتضاب شديد فالكتاب شهادة دامغة على الدور التاريخي الذي لعبه المجتمع المدني التربوي في المغرب. فهو يذكر بأن جمعيات مثل «أميج» ساهمت في تكوين أجيال من الأطر والمثقفين والفاعلين الذين حملوا لاحقاً مسؤوليات في مجالات التربية والإدارة والثقافة والعمل النقابي والجمعوي. كما يبرز أن التربية لم تكن بالنسبة إلى مؤسسي الجمعية مجرد نشاط جانبي، بل مشروعاً مجتمعياً يروم بناء الإنسان وترسيخ قيم المواطنة والعدالة والكرامة.
والخلاصة المهيبة أن مؤلف «أميج، الفكرة والامتداد» ليس مرجعا توثيقيا عن الماضي فحسب بل دعوة متجددة للتأمل في معنى العمل التربوي والجمعوي اليوم كذلك . ويبرز الحاجة الماسة إلى استعادة منظومة القيم التي صنعت تجارب مدنية رائدة في تاريخ المغرب المعاصر. يتضح ذلك من خلال لغته المفعمة بالذاكرة والوفاء رغم تغير الأزمنة إذ ظلت تحمل حلما تربويا وإنسانيا عنوانه بناء الإنسان وخدمة المجتمع.
الصور بقاعة دار الشباب عين عمير بفاس اليوم السبت 31أكتوبر بمناسبة الذكرى الأولى لعيد الوحدة حيث نظمت رابطة كاتبات المغرب فرع فاس بالتنسيق مع شركائها ندوة فكرية تحت شعار – دور فاس العالمة في وسم الذاكرة الوطنية بقيم الوحدة وصيانة التراب الوطني-












