المسرح بين روح اللحظة ودقة الآلة د. عزيز زروقي

هيئة التحرير
نشرت منذ أسبوع واحد يوم 13 أكتوبر, 2026-4 مشاهدة
المسرح بين روح اللحظة ودقة الآلة د. عزيز زروقي

المسرح بين روح اللحظة ودقة الآلة
د. عزيز زروقي

ظل المسرح عبر تاريخه فنا يقاوم الزوال بحضوره الآني. فسحره لا يكمن في التسجيل، بل في التبادل العابر للطاقة بين خشبة ومتلقي. مع دخول الافتراضي بقوة إلى قاعات العرض، تحولت مصطلحات مثل “الإسقاط الخرائطي” و”الواقع المختلط” إلى أدوات شائعة. لكن السؤال الجوهري: هل تخدم هذه الأدوات “سحر المسرح” أم تستعبده؟
أ-آفاق جديدة للتعبير المسرحي:
يمنح الافتراضي المسرح إمكانيات غير مسبوقة في ثلاثة مستويات على الأقل:
-المستوى المكاني: لم يعد الديكور عائقا نهائيا. فباستخدام تقنية Projection Mapping، يمكن تحويل الخشبة بأكملها إلى سوق أو غابة أو مدينة مستقبلية أو قصر أو محكمة. تتحقق فيها فضاءات تخييلية كانت مكلفة أو مستحيلة.
-المستوى الافتراضي: يتجاوز المتلقي دوره الجامد ليصبح مشاركا في بعض العروض التجريبية، ويؤثر عبر هواتفه على سرعة الأحداث، أو اختيار المسارات السردية، مما يخلق عروضا فريدة وغير قابلة للتكرار.
-المستوى الجسدي: يُستخدم المستشعرات (كاميرات العمق) لتترجم حركة الممثل إلى رسوم بيانية حية، أو ليظهر ممثلين عن بُعد على الخشبة كصور مجسمة (Hologrammes).
هذه الفسحات توسع حدود الخيال، وتجذب جمهورا معتادا على السرعة البصرية للوسائط الرقمية.
وهنا أدعوكم لمشاهدة عرضين مسرحيين افتراضيين إيطاليين:
-الأول: مسرحية Apnea الإيطالية وهي الجزء الخير من ثلاثية المخرج والكاتب المسرحي (فابيو أوموداي) Fabio Omodaï ، عرض مسرحي يعتمد على حركة أداء الممثلين الجماعية وتقنية الإنارة السوداء ومؤثرات سينوغرافية، تتراوح بين الضوء والعتمة، وخلاء الركح الذي يصبح فضاء المكونات الثابتة للضوء والظلام. دراما النهاية البشرية، اثنا عشر من البشر هم الباقون فوق سطح البسيطة، فقدوا مفهوم الحب، وبذلك يتفجر بينهم الصراع مع أن هدفهم جميعا واحد، هو البقاء وإعمار الأرض من جديد.
-الثاني: مسرحية “أمطار ناعمة” كتبها وأخرجها (باولو اليساندري) Paolo Alessandri. هي الأخرى قصة نهاية الوجود البشري فوق الأرض، عالم ضوء LED ، وأضواء الهواتف الذكية، ومكبرات الصوت. عناصر مسرحية تنبئ بكارثة الانقطاع الإنساني عن التواصل والانغماس في العالم الإلكتروني من أجل الوصول إلى الاكتفاء الذاتي التام، والتزود الشخصي بالضوء والموسيقى من المحيط، مباشرة عن طريق الهاتف، دون اللجوء إلى الإمكانيات الخارجية.
ب- مخاطر قبضة الفضاء الافتراضي:
الفضاء الافتراضي ليس بديلا عن سحر المسرح، بل هو عدسة مكبرة له. إن أحسنا استخدامه، ووسعنا خيالنا، وإن استسلمنا لقبضته، نفقد لا محالة جوهر المسرح الذي فيه الإنسان الحاضر لحظة بلحظة أمام إنسان. غير أن هذه الفسحة قد تتحول إلى قبضة ضاغطة لأسباب أهمها:
-الصرامة في استخدام القبضة التي قد تخنق.
-خطر تحول الممثل إلى أداة عرض بصري لا غير، حيث يطغى المؤثر على الأداء الحي.
-استلاب الجسد المسرحي عندما يتحول وجه الممثل إلى مجرد شاشة لإسقاطات متحركة، يخسر الوجه ككيان تعبيري فريد. يصبح الممثل آنذاك وسيطا تقنيا ينفذ أوامر برمجية بدل أن يكون مصدرا للشجن والدهشة. كما أن الإضاءة الافتراضية الثابتة (المبرمجة مسبقا) تقتل ارتجال الإضاءة التقليدية التي تتبع تنفس الممثل الحي.
-اغتراب العلاقة مع المتلقي: فقدان الحميمية بين الممثل والجمهور، فالمسرح التقليدي يعتمد على “كهرباء” اللحظة الحية التي لا تتكرر المسرح الكلاسيكي قائم على “كهرباء” اللحظة المشتركة. لكن عندما ينظر إلى شاشة على الخشبة أكثر من نظره إلى الممثل، تتحول الخشبة إلى تلفزيون كبير. هنا تختفي خاصية “هنا والآن” (Here and Now) التي تميز المسرح عن السينما والتسجيلات. يتحول العرض إلى حدث يُستهلك بصريا لا يعاش وجوديا.
-التبعية للتقنية: أي عطل تقني يوقف سحر المسرح، بينما جسد الممثل كائن؛ ديكوره وصوته وإضاءته، مؤثر صوتي متأخر، أو انقطاع اتصال بالإنترنت لكاميرا الممثل البعيد، أو خلل في برنامج الإسقاط… كلها أمور تفضح ضعف العرض المسرحي وتعطل تدفقه.
بينما جسد الممثل في المسرح التقليدي كان ديكوره وإضاءته وموسيقاه في آن، متحملا مسؤولية سحر العرض بكامله. التحدي الحقيقي ليس في رفض الفضاء الافتراضي ولا في الانبهار الأعمى به، بل في تطوير رؤية إخراجية جسدية افتراضية هجينة. أسسها تشمل:
-مركزية الجسد: تبقى التقنيات الافتراضية في الخلفية، تعزز من تعبيرية الجسد الحي لكن لا تحجبه. (مثل أن يُسقط على عرق الممثل صور قطرات مطر، لا أن يُغطى وجهه بالكامل برسوم متحركة).
-شفافية التقنية: يجب أن ينسى المتلقي وجود الكاميرات والبرمجيات بعد دقائق، تماما كما ينسى وجود خشبة المسرح ذاتها.
-الحفاظ على العشوائية المقدسة: فسح مساحة للارتجال البشري الذي لا يمكن برمجته، لأن سحر المسرح أصيل في خطئه وإبداعه اللحظي.
إن قبضة الفضاء الافتراضي ليست قدرا محتوما، بل هي خيار فني. إذا استخدم المخرجون التكنولوجيا كـقفاز يلامس به الحواس، لا كـكماشة تخنق الروح، وبذلك سيبقى سحر المسرح قائما، بل متجددا. المسرح الافتراضي الناجح هو الذي تركع فيه التكنولوجيا أمام دموع الممثل الحية. فإذا فعلنا، تحولت القبضة إلى فسحة جديدة لا نهائية للسحر المسرحي.
ت-المسرح الافتراضي والمسرح ما بعد الافتراضي
يعتمد المسرح الافتراضي على الحيوية والتواجد المتزامن للمؤدين والمتلقي، مما يعيد سحر المسرح الأول، ولكن بأدوات معاصرة. يعد هذا النوع مسرح المستقبل، فهو لا يقلد الواقع بل يبني إنسانا أصيلا كما يرى (كارل بادريزا) Karl Drais ، ويفرض واقعا خاصا يجمع بين الحضور الفيزيائي والتطور التكنولوجي مستفيدا من الإمكانات المتنوعة للعتاد والبرمجيات لإنشاء عروض غير تقليدية. رغم مزايا المسرح الافتراضي، فإنه مازال يواجه صعوبات تتعلق بنقص الكفاءات التقنية، والحاجة إلى استثمارات ذكية في البرمجيات.
أما المسرح ما بعد الافتراضي Post-digital Theatre فهو شكل فني هجين يدمج التقنيات الافتراضية؛ (كالفيديو، الواقع الافتراضي، والذكاء الاصطناعي) مع الأداء المسرحي الحي في فضاء واحد متصل، لا كعنصر تجميلي بل كجزء عضوي من العرض، يحول المتلقي من متلقي سلبي، إلى مشارك في صناعة العرض عبر وسائط افتراضية. يركز هذا المسرح على التفاعل، والوسائط المتعددة، ولا يعتمد بالضرورة على حبكة درامية تقليدية، بل يركز على الصورة، الصوت، والحدث Performance كأداء وتجاوز ما بعد الدراما Postdramatic حيث يتساوى النص مع الوسائل التقنية.
يتجلى الفرق بينهما أساسا في كيفية التعامل مع التكنولوجيا؛ فبينما يركز المسرح الافتراضي على دمج الوسائط التكنولوجية كأداة للعرض. يسعى مسرح ما بعد الافتراضي إلى إذابة الفوارق بين الواقع المادي، والواقع الافتراضي لتصبح التكنولوجيا جزءا غير مرئي، وبديهي من التجربة الإنسانية.
قد لا يظهر الفرق بين المسرح الافتراضي (إدماج التكنولوجيا في العرض المسرحي)، وما بعد الافتراضي (اعتياد تواجد التكنولوجيا في العرض المسرحي) ولكن الفرق فلسفي محض، حيث أن العلاقة بينهما علاقة تطور مرحلي لا قطيعة، ما بين الاعجاب والدهشة المفرطة بالتقنيات الحديثة، واعتيادها إذ أن كلاهما وسيلة للإبداع الفني تدمج التكنولوجيا في البنية الفنية للمسرحية كأداة عرض، وذهول مزجا بين المادي والافتراضي.
كلاهما يؤكدان بقاء الإنسان مركز الفعل الإبداعي حيث يخضعان للتحكم وللتوجيه والقيادة من قبله، وكلاهما يسعى إلى تحقيق تواصل جمالي وفكري مع المتلقي، وكلاهما يوظف التقنيات كأدوات تعبير وإبهار وتوسيع للإدراك البصري والسمعي لصياغة السينوغرافيا (فن تشكيل الصورة المسرحية افتراضيا) بتعزيز جمالياتها وعناصر العرض المسرحي ككل إلى التواصل الإنساني، ويعزز إدراك المتلقي للعرض بمتعة جمالية وفكرية.
يدمج المسرح الافتراضي الوسائط التكنولوجية (شاشات، إنترنت، ذكاء اصطناعي) كعنصر أساسي داخل العرض المسرحي الحي، بينما يتجاوز المسرح ما بعد الافتراضي مرحلة الانبهار بالتكنولوجيا، ليدمج الوسائط بذكاء وبساطة، مركزا على التجربة الإنسانية والاجتماعية في عالم تشبعت فيه الحياة بالافتراضي، حيث تصبح التكنولوجيا غير مرئية أو جزءا طبيعيا من جسد الممثل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق