التجارب الأولى التي خاضها الإنتاج السينمائي الوطني المغربي مباشرة بعد الاستقلال

هيئة التحرير
نشرت منذ شهرين يوم 20 أغسطس, 2026-22 مشاهدة
التجارب الأولى التي خاضها الإنتاج السينمائي الوطني المغربي مباشرة بعد الاستقلال

 

د. عزيز زروقي

شكل الانتاج الهام لأفلام فترة الحماية بالمغرب، إرهاصات لبداية محاولات للسينما المغربية، ومساهمة في تقوية علاقة المغرب والمغاربة بالسينما وذلك من خلال ولوج بعض مواطنيه فضاءات الأفلام الأجنبية عن طريق مهمات وأدوار ثانوية. مرت 12 سنة على استقلال المغرب عام 1956م، و ظهور أفلام روائية أخرجها مخرجون مغاربة وأنتجها “المركز السينمائي المغربي”، الذي كان فيما قبل مؤسسة تابعة للحماية الفرنسية، إلا أنه سُمح له بالاستمرار في أداء وظائفه بعد الاستقلال بدون تغيير جذري، على الرغم من أن خدمة “الجريدة السينمائية” أعيدت هيكلتها كجهة إنتاج مستقل، “الأنباء المصورة المغربية”   Actualités Marocainesعام 1958م. لم تتخذ الدولة بعد الاستقلال أية تدابير للسيطرة على جلب وتوزيع وعرض الأفلام، وتُركت الـ 250 دار عرض المغربية للقطاع الخاص، لذلك كان من المحتم أن تحظى الأفلام الأجنبية المستوردة بالأفضلية. والبداية الحقيقية للسينما المغربية المبنية على العمل الاحترافي المنظم، (على مستوى كتابة السيناريو، والإخراج والتصوير، والإنارة والتقاط، الصوت والمونتاج و الميكساج .. إلخ)، واستعمال فيلم خام من فئة 35 ملم، إضافة إلى إخراج الفيلم من طرف سينمائي مغربي، بموضوع مغربي، موجه إلى مشاهد مغربي. لقد كان هاجس السلطات المركزية التي تتبعت وقائع الحفلات الرسمية والتنقلات والأنشطة الملكية، موكلة  “للأخبار المصورة” والتي أنجزت بهذا الصدد مجموعة من الأفلام الدعائية مثل “مبادئ منجزات وأهداف” لعمر غنام سنة 1960م، واستمرار للأنباء المصورة سنة 1962م الذي يأتي على شكل عرض لرسم حياة الملك الراحل محمد الخامس، وأهم المنجزات التي قام بها، وكذا بداية حكم صاحب الجلالة الحسن الثاني.

وجد القطاع السينمائي فترة الاستقلال في حالة منهكة على عدة مستويات:

-أولها نظام قانوني إداري للسينما متخلف عن مرحلة الحماية يضم نصوصا لا تتماشى وحاجات المغرب المستقل.

-توقف “استوديو السويسي” بعد الكارثة المالية التي أصابته، فلم يعد له وجود يذكر وأصاب بنياته وتجهيزاته خراب شامل، ولن يحل محله استوديو “عين الشق” التابع للمركب السينمائي بالدار البيضاء إلا في حدود 1970م.

-انحصار النشاط السينمائي في وجود مقاولات سينمائية خصوصية أجنبية بالأساس تعنى بتوزيع واستقلال الأفلام المستوردة.

أما الجديد في هذه الفترة فتمثل في عودة الكثير من السينمائيين المغاربة الذين سبق لهم أن هاجروا لدراسة الفن السينمائي بمختلف شعبه بالخارج، لاسيما “بالمعهد العالي للدراسات السينمائية بباريس” (IDHEC (. والذين خصصت لهم جدولا تفصيليا يهم المستويات التالية؛ احتوى مدة التدريس، الدفعات، ثم وظيفتهم بالمركز السينمائي المغربي، أو بالتلفزة المغربية.

-جدول خاص بخريجي المعهد العالي للدراسات السينمائية بباريز (L’IDHEC) حسب التسلسل الزمني:

لرقم الإسم مدة الدراسة التخصص الفوج التوظيف
1 أحمد بلهاشمي  

1949م/195   1م

الإخراج 7 +
2 العربي بناني 1952م /1954م الإخراج 9 +
3 محمد عفيفي 1955م/1957م الإخراج 12 +
4 عبد العزيزالرمضاني 1957م/1959م الإخراج 14 + +
5 عبد الله زروالي 1957م/1959م التصوير 14 + +
6 لطيف لحلو 1957م/1959م المونتاج 14 * *
7 مصطفى لطفي 1957م/1959م المونتاج 14 + +
8 محمد التازي بن عبد الله 1958م/1960م الإخراج 15 + +
9 عبد الرحمان الخياط 1960م/1962م الإخراج 17 + +
10 أحمد البوعناني 1961م/1963م المونتاج 18 + +
11 محمد بن عبد الرحمان التازي 1961م/1963م التصوير 18 + +
12 عبد المجيد الرشيش 1961م/1963م التصوير 18 + +
13 عبد الله الرميلي 1961م/1963م المونتاج 18 + +
14 عبد الله بايحيا 1963م/1965م التصوير 20 + +
15 حميد بناني 1965م/1967م الإخراج 22 + +
16 مومن السميحي 1965م/1967م الإخراج 22 لاشيء لاشيء
17 نور الدين كونجار 1966م/1968م الإخراج 23 +

كل هذا فالتكوين لم يحل دون ظهور مخرجين وتقنيين عصاميين للسينما، استفادوا من الاحتكاك بالسينمائيين الأجانب، أو كونوا أنفسهم بأنفسهم للسينما فحسب، مثل حالة المخرج محمد عصفور. هذا المخرج الذي جاء من البداية إلى مدينة الدار البيضاء صغير السن، واشتغل نادل مقهى وماسح أحذية وبائع الجرائد، سرعان ما استهواه الفن الجديد، فعمل على اقتناء كاميرا هاوية من حجم 9.5 ملم، شرع يصور بواسطتها، عددا من الأفلام القصيرة، وذلك ابتداء من أوائل الأربعينات.

بما أن محمد عصفور، الشاب وقتها، لم يكن يتوفر على حمولة جمالية إيديولوجية تجعله يختط لنفسه طريقه الخاصة في علاقة مع الواقع المغربي لذلك الوقت، فقد اكتفى بتصوير أفلام يقلد فيها ما شاهده وأثاره من أفلام أجنبية: “ابن الغابة ” الذي أنتج سنة 1941م، الذي يقلد في طرزان: “أموك الذي لا يقهر” سنة 1948م، الذي مغرب فيه “روبن هود” إضافة إلى سلسلة “حجية” التي أضفى عليها الطابع المغربي، وشخصية (شارلي شابلين) Charles Spencer . حافظ محمد عصفور على تصوره للسينما، أي باعتبارها مجرد تقليد لمشاهدات سابقة، حتى حين أتيح له أن يخرج فيلمه الطويل الأول “الكنز المرصود” الذي أنتج سنة 1970م، الذي قدم لنا فيه خليط من الأفلام الغنائية المصرية. مما يجعل من الفيلم عنده مجرد أداة للتسلية والترويح عن النفس، ويحصر جمهوره أساسا، في الأطفال.

سمى الناقد السينمائي أحمد السيجلماسي هذه المرحلة بلحظة ما قبل السينما المغربية. لأن ما يميز هذه اللحظة هو غياب شبه مطلق للمغاربة عن مجالات الإنتاج والإخراج والتصوير، وغير ذلك من جوانب الإبداع السينمائي. فالمغرب في أفلام مرحلة الحماية لم يكن إلا ديكورا وسوقا للاستهلاك السينمائي، وهذا ما يتفق حوله النقاد السينمائيون في المغرب. غير أن سينما فترة الاستقلال تطرح إشكالا بالنسبة لهؤلاء النقاد. فيعتبرون أن السينما المغربية تتجسد في دخول أول مغربي إلى ميادين التصوير والإنتاج والإخراج السينمائي، ويتعلق الأمر حسب –السيجلماسي– برائد السينما المغربية محمد عصفور الذي أنتج ابتداءا من سنة 1941م عددا من الأفلام القصيرة الصامتة، قبل أن يدشن الفيلموغرافيا الوطنية في شقها الروائي بفيلم ” الابن العاق ” الذي صور سنة 1956.

غير أن مصطفى المسناوي له رأي آخر في هذا الموضوع، فهو يتحفظ بهذا المعطى الذي يهم بالأساس فيلم ” الابن العاق”  Le fils Maudit الذي أنتج  سنة 1958م، حيث سيؤكد فيه تشبُّعه بالمؤثرات التي كانت تمثل الميول والاتجاهات السينمائية التجارية السائدة أيامها (الهوليودية والمصرية وحتى الهندية)، وذلك في غياب وعي نقدي وجمالي قادر على إعانته على الاستلهام الصحيح لمكونات السينما الحديثة، واستيعاب المسافة الحضارية التي قطعتها. لأنه في نظره لا يستجيب للمعايير التي تحدد سينما الاستقلال؛ منها العمل الاحترافي المنظم على مستوى (كتابة السيناريو، والإخراج، والتصوير، والتقاط الصوت، والمونتاج، والميكساج واستعمال فيلم خام من فئة 35 مم)، إضافة إلى إخراج الفيلم من طرف مغربي، بموضوع مغربي، موجه إلى مشاهد مغربي. ويضيف بكثير من الحسم  أن الفيلم  الذي تنطبق عليه هذه المقاييس بالنسبة للفيلم القصير هو الفيلم التربوي “صديقتنا المدرسة ” الذي أنتج سنة 1956م للعربي بناني، وبالنسبة للفيلم الطويل، فيلم ” الحياة كفاح ” الذي أنتج سنة 1968م للمخرجين: أحمد المسناوي  ومحمد التازي.

لم تكن لتجربة محمد عصفور تأثيرا على السينما المغربية لا حقا، أو على بنيات العرض، فإنها مكنت على الأقل، من زرع عشق السينما في عدد كبير من الأطفال الذين سيظهر من بينهم الكاتب والمثقف و المحامي و الوزير، كما سيظهر من بينهم مخرجون سينمائيون لا ينكرون فضلهم في توجيههم إلى الفن السابع، وعلى رأسهم أحمد البوعناني والراحل محمد الركاب.

كي نخلق سينما لا بد أن نخلق قبل ذلك تقاليدا. هذا ما آمن به السينمائيون المغاربة، إما عن قصد أو بدون قصد. إن الافلام التي راكمتها الفترات السابقة إلى الآن كلها تنبئ بذلك، رغم تفاوتها الفني و الموضوعات. تنبني السينما المغربية على رؤية خاصة مفادها أنه بدون وعي وثقافة مصاحبة لا يمكن إلا أن ننتج سينما مكررة عن الغرب، لهذا لا بد من فلسفة واضحة ينطلق منها المشتغل بالسينما. هذا المشتغل الذي يبحث عن أرضية فكرية وثقافية ينطلق منها على وعي بوظائفها، وبمنتوج واحتياجات المتفرج، و بإلمام عام بالثقافة السينمائية.

انطلاقا من هذا التصور عمل السينمائيون المغاربة على مراكمة المنتوج، حيث أنتجت العديد من الأفلام التي كان لبعضها حضور قوي في المهرجانات السينمائية الدولية ولوطنية، هكذا عرفت السينما المغربية بعد الاستقلال تطورات كبيرة كما وكيفا عبر العقود الخمسين والستين، والسبعين والثمانين، والتسعين من القرن العشرين، الذي هو موضوع الدراسة. فما الذي ميز هذه المراحل؟ هذا ما سأحاول التطرق إليه بإيجاز.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق