صدمتي الأولى مع بشاعة الاحتلال في سبتة…!!

هيئة التحرير
نشرت منذ 3 أشهر يوم 8 أغسطس, 2026-15 مشاهدة
صدمتي الأولى مع بشاعة الاحتلال في سبتة…!!

 

 

 

بقلم:  الدكتور إدريس الواغيش

 زياراتي الأولى إلى الشمال المغربي، كانت في نهاية سبعينيات القرن الماضي. بدأت برحلات مدرسية، ثم استمرت بسفريات فردية أو ثنائية وأسرية. أولى هذه الزيارات، مكنتني من الاطلاع على واقع الاحتلال في سبتة المحتلة بالعين المجردة، بعيدا عما درسته في الجامعة، وقرأته من مرويات التاريخ وأقاويل المؤرخين، وما رأته عيني من خطوط وألوان الخرائط في الجغرافية.
زرت “كابو نيكرو” أول مرة ذات صيف شبابي عام 1976م. ومن دهشة البدايات، لم أعرف إن كانت مستعمرة إسبانية؟ أم مصيفا مغربيا؟ وثمة لم أعد إليها إلا وأنا أحمل لقب جد، ومعي حفيدتي الأولى.

في مرحلة ثانية، رأيت الاحتلال مرة أخرى بأم العين في مليلية، ولكن من دون وساطات المؤرخين. هناك، عرفت المعنى الحقيقي لأخبث استعمار في التاريخ الحديث على وجه الأرض. كان ذلك، قرب باقي الثغور المغربية الأخرى: جزيرة باديس، جزيرة النكور، الجزر الجعفرية أو “إشفارن”، كما يحلو للأهالي تسميتها.أحسست بالغبن والكره، واختلطت علي المشاعر هناك. لم يكن يفصل بيني وبين أرض أجدادي، سوى خيط رفيع في جزيرة باديس، وربع عقدة بحرية سباحة في جزيرة النكور. آلمني أن أرى الخيط الأزرق اللعين يمنعني قسرا من الخطو خطوة واحدة، ودخول قطعة غالية علي في وطني. قال لي أحد الجنود المغاربة المرابطين هناك، أن الجنود الإسبان أطلقوا رصاصة ذات سنة على صدر بائع متجول مغربي، بعد تحذيره بمكبرات الصوت. وبما أنه يعاني كان من الصمم، حدث ما يؤلم القلب.

 رأيت هناك جزيرة صغيرة غريبة عني، قريبة مني، وفي ذات الوقت بعيدة، وعصية علي..!!جزيرة “قميرة” أو جزيرة باديس أرض مغربية، من دون شك، يحتلها عساكر الإسبان احتلالا رمزيا. تقول بعض المصادر، أن إسبانيا ضمتها إليها عام 1508م، حين ضعفت دولة البرتغال، بعد هزيمتها في معركة وادي المخازن أمام جيش المملكة المغربية عام 1578م. وقبل ذلك في 1522، كان المغاربة قد شنوا هجومًا عسكريا ناجحا، قضوا فيه على الحامية الإسبانية، واستعادوا جزيرة القميرة إلى حضن الوطن. وفي عام 1554م أعطى الملك أبو حسون الحاكم الجديد للمملكة المغربية بفاس الجزيرة إلى العثمانيين، مكافأة لهم على مساعدتهم له في اعتلاء العرش المغربي، ولو مؤقتا إلى حين..!!
سيقوم الإسبان بعد ذلك عام 1563 بمحاولة فاشلة لضم جزيرة القميرة، ولكنهم لم ينجحوا إلا عام 1564م، بعد هزمهم حامية عسكرية عثمانية صغيرة، لم يكن يتعدى قوامها عشرات الجنود. ومنذ ذلك الحين إلى اليوم، أصبحت الجزيرة عمليا تحت السيطرة الإسبانية.باديس جزيرة مغربية أصيلة، أرضها تتكلم اللهجة الأمازيغية والدارجة المغربية، مثلها في ذلك، مثل باقي السكان المغاربة في جبال الريف. فيها أقصر حدود في العالم، وأغربها على الإطلاق. حدود عبارة عن خيط أزرق مهترئ، مرمي بشكل عشوائي على رمال الشاطئ الجميل المحيط بها من جهة البر. كل شيء فيها وحولها، يقول إنها مغربية: الطيور التي تحلق في سمائها مغربية. الهواء الذي يتنفسه الجنود الإسبان مغربي. الأسماك التي تسبح في محيطها مغربية. وحين تبتعد الأسماك عن الصخرة، تقع في شباك الصيادين المغاربة. ومع ذلك، يصر العرش الإسباني في عناد وغطرسة، مدعوما من الكنيسة، على أنها أراضي إسبانية تابعة للاتحاد الأوروبي. حتمية التاريخ تقول إن جزيرة باديس ستعود كما سبتة ومليلية، إلى أحضان الوطن، وكما عادت مدن أخرى من قبلها إلى أحضان الوطن: سيدي إفني، طرفاية، الداخلة، بوجدور، العيون والسمارة.. إلخ. هي مسألة وقت وسنسترجعها، لأننا متأكدون أن ما أخذ منا بالقوة، سنسترده بها. الوجع لا يحتاج أحيانا إلى تفاصيل وحديث طويل، النظرة الأولى تكون عادة نصف الكلام، والباقي مجرد لغو في الكلام عابر. كأن قدري في ذلك الصيف، دفعني أن أبحث عن مواجعي، أن أزور شاطئ “الصفيحة” بعد يومين، أن أسبح فيه. شاطئ لا يبعد إلا بنظرة واحدة عن جزيرة “النكور” المحتلة.
صخرة الحسيمة أو جزيرة النكور، هي جزيرة إسبانية بالفعل، ولكنها مغربية بالقوة والأرض والجغرافية والتاريخ. لا يهمني كم تبلغ مساحتها؟ جزيرة صغيرة جدا في عرض البحر، عبارة عن صخرة طولها 70 مترا وعرضها 50 مترا، وارتفاعها 27 مترا فوق زرقة البحر المتوسط، تحتلها العساكر الإسبانية منذ عام 1559م. وأراها عائدة إلى أهلها وناسها ومغربها، كما عادت ثغور ومدن ومساحات شاسعة في الصحراء المغربية احتلتها إسبانيا.
بين المغرب وإسبانيا جوار جغرافي، تاريخ من التعايش والحروب، مد وجزر، سلم ودم وحرب. حدث ذلك منذ أن قطع طارق بن زياد البحر، وحرق أسطول سفنه، ثم أمر جنده بالتقدم برا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية- الأندلس، وجلس على صخرة قبالة الساحل الشمالي المغربي، لا زالت إلى اليوم تحمل اسمه، وهو يتأمل الدخان الصاعد إلى السماء. وربما قبل ذلك، كما تقول المصادر والمراجع، وحتى قبل أن يكون وجود للبحر الأبيض المتوسط أصلا، كما كان يصر أستاذنا محمد التازي سعود رحمه الله في الطابق الرابع من كلية ظهر المهراز بفاس، مسنودا بالحجج التاريخية، ونحن نستمع إليه في خشوع، كأنه يقدم قداسا دينيا في كنيسة أو خطبة يوم الجمعة في مسجد بفاس العتيقة، وليس درسا في التاريخ. كان رحمه الله يقدم أمام انبهارنا محاضرات في تاريخ المغرب القديم، ويقربنا أكثر من تاريخ المغرب الآخر الجميل، تاريخ نجهله ولا نعرف عنه كثيرا.في بداية القرن العشرين، كانت هناك انعطافة في التاريخ العربي الإسلامي. ضعفت فيه المملكة المغربية، واحتلت إسبانيا ما استطاعت الوصول إليه بالقرب منها، لتعوض هزائمها وخساراتها وراء المحيط: جزر الكناري الثلاث عشرة 1405، مدينة مليلية 1497، جزيرة باديس عام 1564، سبتة 1668، وجزر الحسيمة الثلاث 1673، وبعدها جزر إيشفّارن الثلاث 1848م. فيما ظلت تنازع المغرب في أحقيتها على جزيرة “تورا” أو “صخرة ليلى” الصغيرة جدا بين سبتة المحتلة وطنجة، قريبا من قرية بليونش.واستغباء للبشر والحجر، تطل علينا إسبانيا في الأخير، وتتضامن مع غزة مطالبة بتحرير فلسطين..!!المؤلم، هو أن البعض من بني جلدتنا صدقوها: كوفيون وملتحون، وتناسوا أن زوال جبل من مكانه، أيسر من زوال رجل عن طبعه، وأن الذئب يبقى ذئبا، ولو لم يأكل الغنم.

  كان في نيتي أن أزور جزيرة ليلى، بعدما وقعت الأزمة بين المغرب وإسبانيا، كما فعل بعض أصدقائي. ولكن حصل صدفة في صيف 2025، أن كنت ألتقط صورة بانورامية لشاطئ بليونش الجميل، وإذا بي على مرمى حجر من لوحة تدل على الطريق إلى جزيرة ليلى. قلت لا بأس أجرب. مشيت قليلا، وإذا بها منعزلة غمامي في زرقة البحر. مشيت عبر مسار سياحي ينطلق من شاطئ بليونش، ويصل إلى الجزيرة الصغيرة وسط أحراش غابوية، وجدتها لا تبعد إلا بعشرات الأمتار عن البر المغربي. يمكن الوصول إليها بالسيارة، وإكمال ما تبقى من المسافة مشيا على الأقدام، انطلاقا من شاطئ بليونش. المسألة تتطلب صبرا وصعود بعض العقبات، قبل أن تنبسط الطريق قريبا من جزيرة “ليلى”. جزيرة صغيرة جدا ومنعزلة، وحيدة يتيمة وسط زرقة البحر المتوسط. وفوقها يتموقع جبل موسى بن نصير، حارس بليونش الأمين، جبل صخري على شكل امرأة حامل. قرية بليونش على تخوم سبتة المحتلة من جهة الغرب. ويمكن للزائر أن يلقي نظرة بانورامية منها على البحر الأبيض المتوسط، ومعه زرقة الساحلين: المغربي في الجنوب والإسباني في الشمال.

 

   هناك، يظهر البحر المتوسط صغيرا كحقينة سد، وجبل طارق شامخا بحاضره الإنجليزي وتاريخه العربي الإسلامي. أول مرة أعرف فيها عن قرب، أن المغرب يمكنه التحكم في مضيق جبل طارق، بواسطة جندي، وهو يقف على جبل موسى، ممسكا بيده حجارة على الضفة الجنوبية. وأنت واقف في استراحة قصيرة، وقد تركت للتو سبتة السليبة وراء ظهرك، تترجل إلى حدود أقرب نقطة مغربية من إسبانيا، ترى سفنا وبواخر، وتعدها بالأصابع كبيرها وصغيرها، وهي تمر تباعا كالخرفان في آخر اليوم وسط عرض البحر المتوسط. هناك، وقفت لحظات مثل أي طفل صغير، أراقب حركية السفن بمختلف أحجامها قبالة شبه جزيرة سبتة المحتلة، أستمتع بأشعة شمس الصيف، وأشحن ذاتي المتعطشة إلى فيتامين”د”.
في بليونش يمكنك أن تشرب أنقى ماء، وتسبح في أصفى ماء بحر طبيعي. وفي مدينة الجبهة، يمكنك أكل ألذ بيصارة جبلية، وأحلى مذاق سردين متوسطي.
وأنت في شاطئ بليونش، ينتابك إحساس غامض وغريب: رمال تحت رجليك، زرقة مياه خالصة أمام عينيك، ورائحة طواجين مغربية تقتحم تجاويف أنفك. ما أن تلتفت إلى اليمين، حتى ترى سياجا حديديا شائكا يحمي سبتة المحتلة. وممن؟ أكيد منا نحن المغاربة أصحاب الأرض، وربما أيضا من المتسللين الحالمين بتحقيق أحلام أخرى.

على الطرف الآخر، بعيدا قليلا، هناك بر إسباني ينتهي بصخرة جبل طارق تابعة للتاج البريطاني. وغير بعيد عن بليونش جزيرة ليلى. وأنت جالس على صخرة بيضاء كبيرة تتأمل زرقة استثنائية، تستحضر نظرة موسى بن نصير الثاقبة وتوجيهاته العسكرية الصارمة. يسرح بك الخيال، تتصور دخان سفن طارق يصاعد أمام ناظريك، وهي تحترق أمام الجند في واضحة النهار، وقد عبر فاتحا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، وألقى خطبته الشهيرة. هناك تبدأ حكاية، وتتلوها ألف حكاية وحكاية في ماضي الأندلس.

تعود بك الذاكرة فجأة إلى بياض سبتة المغربية المحتلة، تراها جاثمة في امتداد متوسطي. مدينة صغيرة حالمة بين نور القمر في الليل، وضياء الشمس في النهار. تقرب زوم الكاميرا، ترى جبل طارق، كما لو أنه تحت قدمك. يظهر وهو في كامل شياكته والتقائه البري مع امتداد أخضر داخل الأراضي الإسبانية. تقرب الزوم من الضفة المغربية، تجد نفسك على وشك مصافحة شقراوات الإنجليز، وملامسة جلد قرود المكاك البربري. ترى متقاعدي الجيش إلى جانب العجزة البريطانيين، وهم يتجولون في تكاسل بين الشوارع. تكاد تنسى أنك على الضفة المغربية، تفكر في أن تعطي الموز لقرود المكاك، وهي تتنقل بحرية فوق قمة الجبل الصلعاء.التوازن بين المغرب وإسبانيا في البحر المتوسط، يتطلب فرض واقع جديد، والاستمرار في العمل الديبلوماسي والدخول في مفاوضات، يتداخل فيها التاريخي والراهني، وتسطير آفاق جديدة تنبني على التعاون، بعيدا عن منطق الاحتلال، في زمن لا يقبل الاحتلال.تركت الماضي هناك بكل شجونه، والحاضر بكل آلامه، وغادرت بليونش إلى طنجة. هناك، وجدت المدينة ضاجة بصداع صيفي، وحرارة لا تحتمل في عز الظهيرة.عادة ما تعجبني طنجة في ليلها، أما نهارها، طويل وممل، وعشوائي مثل بعض الراجلين. أسرعت في الهروب إلى السكينة في أصيلة، وقد بدأ يرحل عنها ضجاج الصيف…!!

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق