تيمة هذا المقال يحمل عنوانا شيقا وجدليا: ” الوجه المشرق لفضاء المسرح الافتراضي ” ، عبارة جميلة تلتقط بدقة جدلية العلاقة بين روح الفن الحي، واتساع آفاق التكنولوجيا. تحول يسعى تحليل الثنائية الجدلية بين؛ “فسحة” (الحرية والانطلاق والاتساع الرحب والفرصة) إلى تحول “قبضة” (السجن والإمساك والسيطرة المطلقة والخطر) في سياق الانفتاح على طبيعة المسرح الافتراضي فإننا أمام نقاش عميق؛ ألا وهو:
-هل الفضاء الافتراضي قبضة تخنق سحر المسرح، أم يد تمد له فسحة جديدة؟
هذا هو السؤال الذي أراه يفرض نفسه على كل فنان مسرحي اليوم.
هذا المحور سيشمل شكلين متوازنين وهما:
-الاشكالية الأولى:
بينما نرى الخشبة تتحول إلى شاشة افتراضية، والممثل إلى نقطة ضوء بين إسقاطات ثلاثية الأبعاد، أتساءل: -أين ذهبت الكهرباء التي كانت تشعل العلاقة بين الممثل الحي والمتفرج الحي؟
-الاشكالية الثانية:
المسرح ابن اللحظة العابرة، والفضاء الافتراضي ابن الحساب الدقيق حين يلتقيان، إما أن ينشأ حوار خلاق، أو أن تسحق دقة الآلة فورية الإنسان. هنا أدعوكم للتأمل في هذه السلطة:
-هل هي سلطة أمان أم سلطة سيطرة؟
لن نخاف من الفضاء الافتراضي، ولن نقدسه، بل سنستخدمه كقفاز لا كقبضة، لأن سحر المسرح يظل في عين تدمع، وصوت أجش، وجسد يرتجف لحظة اللقاء الحي. الفضاء الافتراضي أداة، والعرض لحن، والممثل عازف لا يمكن لأي آلة أن تحل محله. المسرح الناجح هو الذي تنسى فيه وجود التكنولوجيا، ولا تتذكر إلا دموع الممثل وأنفاسه. فإذا شعرنا بالاختناق، فقد فشلنا. وإذا شعرنا بالفسحة، فقد نجحنا.
-فكيف يوسع الفضاء الافتراضي سحر المسرح؟
· مساحة الخيال: التقنيات الافتراضية تطلق خيال المخرج من قيود الديكور المادي. يمكنك الآن الانتقال من منزلك إلى مشهد في الفضاء الخارجي بلمسة زر، دون تغيير ديكور يستغرق دقائق.
· مساحة الحضور: الممثل على خشبة مهرجان الناظور الدولي الدورة الثانية، يمكن أن “يمثل” أمام متلقي بمدينة وجدة عبر تقنية النقل عن بُعد (Tel présence)، بل يمكنه التمثيل إلى جانب ممثل افتراضي ينتج بالذكاء الاصطناعي.
· مساحة التفاعل: المتلقي لم يعد متفرجا صامتا عبر أجهزته، يمكنه التأثير في سير السرد، أو اختيار نهاية مختلفة للعرض. هنا تتجلى سحر المشاركة.
-فكيف يحافظ الفضاء الافتراضي على سحر المسرح الأصيل؟
هنا سحر الفسحة. المسرح الافتراضي الناجح لا يلغي جسد الممثل، بل يجعله أكثر حضورا، الصورة المسقطة على جسده تحوله إلى لوحة حية، إلى مناخ نفسي متغير. أنفاسه، حركاته، صوته تبقى هي قلب السحر، والأدوات الرقمية تصبح عنصرا ساحرا مساعدا لا بديلا عن الساحر الرئيسي الذي هو ذاك الإنسان الحي على الخشبة.
فسحة الفضاء الافتراضي تمنح المسرح فضاءات لا محدودة للشكل والمكان والتفاعل، لكنها لا تستطيع أن تخلق “الحضور اللحظي” و”الكهرباء العاطفية” بين الممثل والمتلقي. سحر المسرح الحقيقي يظل في تلك اللحظة الآنية، والفضاء الافتراضي تمنحه ثوبا جديدا من الضوء والصورة.
بات التقدم التكنولوجي واقعا يفرض نفسه على مختلف المجالات، وهو ما يجعل من تطوير وتحديث آليات العمل المسرحي ضرورة ملحة يمليها هذا الواقع الجديد الذي قفز إلى الواجهة، مما دفع بالفنان المسرحي إلى الانتقال من خشبة المسرح إلى المنصات الافتراضية بمختلف أشكالها. فرض الفضاء الافتراضي أسلوبا جديدا لممارسة المسرح، بما في ذلك ما يعرف بالمسرح الافتراضي المختلف تماما عن المسرح التقليدي، والذي تمكن من إلغاء الحدود الجغرافية والزمنية.
هكذا لم يعد العمل المسرحي يعتمد على الفنان المحترف؛ بل أتاح للجميع إمكانية تقديم عروض مسرحية افتراضية، وأكثر من ذلك استغلال الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence ،والإسقاط ثلاثي الأبعاد 3D Projection والواقع المعزز Réalité augmentée لإنشاء ممثلين افتراضيين لأداء هذه العروض والتفاعل مع المتلقي أداء ونصا وتلقيا، في أفق تنمية عوالم المسرح الفكرية، وتطوير آلياته وتقنياته، وتيسير اندماجه فنيا وجماليا في سيرورة الحداثة.
وأخلص في هذا المحور إلى ضرورة تبني رؤية نقدية توظف التكنولوجيا كوسيط لا كغاية، للحفاظ على “كهرباء” المسرح الحيوية.
الوجه المشرق لفضاء المسرح الافتراضي د عزيز زروقي

















