إدوارد سعيد في مرآة الدكتور يحيى عمارة: قراءة في كتاب يُعيد راهنية المفكر الفلسطيني-الأمريكي

هيئة التحرير
نشرت منذ 4 أشهر يوم 13 يونيو, 2026-65 مشاهدة
إدوارد سعيد في مرآة الدكتور يحيى عمارة: قراءة في كتاب يُعيد راهنية المفكر الفلسطيني-الأمريكي

 

بقلم:  د.خالد ياسين

 

تقديم:

لعل ما يجعل هذا الكتاب مثيرا للاهتمام، بل وضروريا، هو التوقيت الذي يصدر فيه. فنحن نعيش اليوم، في العالم العربي والإسلامي، لحظة ارتباك هوياتي غير مسبوقة. لحظة تتقاطع فيها ضغوط العولمة، وصدمات ما بعد الاستعمار، وانهيارات المشاريع التنموية، وصعود خطاب الكراهية باسم الدين والقومية والعرق. وفي خضم هذا المشهد المأزوم، يعود إلينا إدوارد سعيد بقوة، كما لم يعد من قبل. يعود سؤال المنفى، سؤال التهجين، سؤال الفضاء الثالث بين الثقافات، سؤال كيف تكون مقاوماً دون أن تتحول إلى ما تقاوم.

هذا هو بالضبط ما أضاءه الدكتور يحيى عمارة في هذا الكتاب: راهنية سعيد، ليس كصنم فكري يُتلى، بل كمنهج حي، كأداة تشخيص، كمحرض دائم على عدم الرضا عن الأجوبة الجاهزة.

ولكن، من هو يحيى عمارة ليكتب عن إدوارد سعيد؟

هنا أريد أن أتوقف قليلا عند صاحب الكتاب، ليس من باب المجاملة، بل من باب المنهج الذي يؤمن به سعيد نفسه: لا يمكن فصل النص عن سياقه، ولا يمكن فهم الكتاب دون فهم كاتبه.

الدكتور يحيى عمارة، كما وصفه الدكتور محمد الداهي في تقديم هذا الكتاب، هو نموذج نادر للمثقف الذي يرتدي قبعات متعددة باستحقاق: باحث مقتدر، وشاعر مجدد، وأكاديمي منشغل، ومثقف عضوي بالمعنى الغرامشي للكلمة. هو الذي استطاع، بصبره وإصراره، أن يتجاوز المصاعب ويصبح من “المشار إليهم بالبنان” في المشهد الثقافي المغربي والعربي.

وهذا ليس توصيفا إنشائيا. إنه مفتاح لفهم حمولة هذا الكتاب. لأن من يكتب عن سعيد، وهو ابن الثقافتين العربية والغربية، الشاعر والناقد، الأستاذ والمبدع، يكون أقدر على امتلاك ناصية مشروع سعيد، الذي هو أصلا مشروع عبور بين التخصصات، بين الأجناس، بين الثقافات، بين النضال السياسي والإبداع الفني.

أليس سعيد هو الذي كتب عن الموسيقى كما كتب عن الرواية؟ أليس هو الذي نقد الاستشراق كما نقد السلطة الفلسطينية؟ أليس هو الذي جعل من النقد الدنيوي مدخلا لفهم النصوص في علاقتها بالقوة والتاريخ والأيديولوجيا؟

هذا التعدد هو ما يجمع بين سعيد وعمارة. وهذه المشاكلة هي ما يجعل هذا الكتاب أكثر من مجرد شرح وتلخيص، بل حوارا وجوديا بين مثقفين يفصل بينهما الزمن لكن تجمعهما الأسئلة.

 

افتتاحية: سعيد لم يمت… إنه يقرأنا من الداخل

حين نقرأ عنوان هذا الكتاب، قد نعتقد أنه دراسة أكاديمية أخرى عن إدوارد سعيد، تضاف إلى العشرات بل المئات من الدراسات العربية والغربية التي تناولت صاحب “الاستشراق”. لكن سرعان ما يتبدد هذا الانطباع بمجرد أن تغوص في مقدمته، حيث يصفه الدكتور محمد الداهي بأنه “طفل لبراءة سجيته” و”مثقف منشغل بالأسئلة الثقافية المحرجة”. هذا المزيج الفريد بين البراءة والانشغال، بين الصفاء والقلق، هو ما يمنح الكتاب نكهته الخاصة.

فالكاتب، الدكتور يحيى عمارة، ليس ناقلا بارعا، بل محاور وجودي لفكر سعيد. إنه لا يشرح سعيدا ميتا، بل يستنطق سعيدا حيا، راهنا، يقرأ انقساماتنا وتمزقاتنا وهواجسنا كما لو كان يعيش بيننا اليوم.

وهذا هو السر الذي يجعل هذا الكتاب مختلفا: إنه لا يخاطب المتخصصين فقط، بل كل من يشعر بأنه خارج المكان، كل من يعيش تمزقا بين هويتين أو ثقافتين، كل من يبحث عن صوت يليق به في زمن الضجيج الأيديولوجي.

 لمحة عن الكاتب: يحيى عمارة… الرجل ذو القبعات المتعددة

قبل أن نتحدث عن الكتاب، لا بد أن نتوقف قليلا عند كاتبه. فكما يقول النقاد: “اعرف كاتب الكتاب تعرف الكتاب”.

يصفه الدكتور محمد الداهي، في تقديمه الأنيق، بأنه يحمل “قبعات متعددة راكمها عن جدارة واستحقاق”. فهو باحث مقتدر، وشاعر مجدد، وأستاذ ملهم، ومثقف عضوي منشغل بقضايا أمته. هذا التعدد ليس مجرد زينة في السيرة الذاتية، بل هو شرط لفهم سعيد، ذلك المفكر الذي جمع بين النقد الأدبي والعزف على البيانو، بين تحليل الخطاب الاستعماري والدفاع عن القضية الفلسطينية، بين كتابة النظرية وممارسة النضال.

عندما يكتب شاعر عن ناقد، وعندما يكتب أكاديمي عن مثقف عضوي، وعندما يكتب عربي عن مفكر هجين، تتولد كهرباء معرفية تجعل من القراءة متعة حقيقية. وهذا ما نلمسه في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب.

البنية الدرامية للكتاب: رحلة من السطح إلى العمق

ما يثير الانتباه في هذا الكتاب هو هيكله الدرامي، الذي يشبه رحلة استكشافية تبدأ من السطح ثم تغوص تدريجياً في الأعماق.

البداية: بورتريه “طائر خارج السرب“

يختار عمارة أن يبدأ بفصل عنوانه “بورتريه: طائر خارج السرب”. وهذه الاستعارة ليست عابرة. فالطائر الذي يخرج عن السرب يكون وحيدا، ضعيفا، لكنه يرى ما لا يراه الآخرون. هذا هو سعيد: خرج عن سرب الشرق فلم يرض أساطيره، وخرج عن سرب الغرب فلم يرض استعلاءه. فكان في موقع فريد، مؤلم لكنه منتج.

هذا العنوان وحده كافٍ ليجذب القارئ، لأنه يلمس جرحا عميقا في كل مثقف عربي: جرح الاغتراب عن الجماعة، والوحدة في زمن القطيع.

الفصل الأول: من أين يأتي فكر سعيد؟

يأخذنا عمارة في رحلة عبر عوامل التأليف عند سعيد: كيف تشكل فكره؟ من تأثر به؟ ما هي الظروف التاريخية والفكرية التي أنجبت “الاستشراق”؟

ثم يتوقف مطولا عند كتاب “الاستشراق” الذي وصفه بـ”القراءة الجديدة للغرب”. وهنا تكمن عبقرية عمارة: لا يشرح لنا ماذا قال سعيد فقط، بل لماذا قاله، ولماذا أحدث ضجة، ولماذا ما زال يثير الجدل حتى اليوم.

ثم ينتقل إلى “تغطية الإسلام”، حيث يكشف كيف تحول الإسلام في الإعلام الغربي من دين إلى تهديد، من رسالة إلى كاريكاتير. وهذا الفصل وحده كافٍ لفهم ما يحدث اليوم من إسلاموفوبيا وصور نمطية.

الفصل الثاني: سعيد المنظر والناقد

هذا الفصل هو قلب الكتاب النابض. هنا يطرح عمارة سؤالاً جريئاً: لماذا نظرية الأدب؟ وهل يحتاج الأدب إلى نظرية أصلا؟

ثم يأخذنا في رحلة مذهلة عبر صداقة سعيد للشعر والشعراء، ويكشف كيف أن الشاعر عنده هو نموذج للمثقف الحقيقي: من يقول كلمة الحق، ولو كانت مرة.

لكن المفاجأة الحقيقية في هذا الفصل هي الموسيقى: طريق للتعايش. نعم، سعيد كان عازف بيانو ماهرا، ورأى في الموسيقى نموذجا لفهم العالم. فكما تتعايش الأصوات المختلفة والمتنافرة في السيمفونية لتنتج لحنا منسجما، كذلك يمكن للثقافات والأديان والقوميات أن تتعايش. هذا درس نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.

الفصل الثالث: النقد كسلاح وجودي

هنا يصل بنا عمارة إلى جوهر مشروع سعيد: النقد ليس مهنة، بل موقف. الناقد الحقيقي ليس من يشرح النصوص، بل من يجازف، من يخاطر، من يقول ما لا يريد أحد سماعه.

يقف عمارة طويلا عند مفهوم “النقد الدنيوي”  .  وهذا المفهوم يستحق وقفة: النص الأدبي، عند سعيد، ليس شيئا مقدسا أو معزولا، بل هو ابن لحظته، ابن صراعاته، ابن سلطاته. قراءة النص تعني كشف هذه العلاقات الخفية، لا التغني بجمالياته فقط.

ثم ينتقل إلى المنفى بين الفلسفة والأدب، وهنا يبكي القارئ مع سعيد. فالمنفى ليس مجرد غياب عن الوطن، بل حالة وجودية، شعور دائم بأنك “خارج المكان”، حتى لو كنت بين أهلك. وهذا ما يفسر لماذا يجد العرب والمسلمون في الغرب، والغربيون في الشرق، أنفسهم في كتابات سعيد.

الفصل الرابع: سعيد بين فيكو وفوكو وكونراد

هل كان سعيد مستقلا حقا، أم أنه ظل أسير المرجعية الغربية؟ هذا هو السؤال المحرج الذي يتناوله عمارة بشجاعة.

يكشف لنا كيف تأثر سعيد بـفيكو في فلسفة التاريخ، وبـفوكو في تحليل السلطة والمعرفة، وبـكونراد في نقد السرد الاستعماري. لكنه يظهر أيضا كيف حول هذه التأثيرات، كيف مزجها، كيف أضاف إليها من تجربته الفلسطينية-الأمريكية.

والخلاصة: سعيد لم يكن تابعا، بل مبدعا، استخدم أدوات الغرب لتفكيك هيمنة الغرب. وهذا هو بالضبط ما يحتاجه المثقف العربي اليوم: أن يتعلم من الغرب دون أن يصبح نسخة مقلدة، وأن ينقد الغرب دون أن يقع في فخ الشعبوية أو العداء الأعمى.

ما يميز هذا الكتاب: ثلاث إضافات لا تُقدّر بثمن

1 . الشمولية في الإيجاز

الكتاب ليس طويلا، لكنه يغطي كل شيء تقريبا: الاستشراق، النقد الدنيوي، الهجنة الثقافية، المنفى، الموسيقى، المرجعيات الغربية، القضية الفلسطينية. إنه خريطة متكاملة لفكر سعيد، يستطيع القارئ من خلالها أن يرى الغابة قبل أن يتوه في الأشجار.

2 . الكشف عن سعيد المجهول

كلنا نعرف سعيد ناقد الاستشراق. لكن من يعرف سعيد الموسيقي الذي قال: “الموسيقى علمتني كيف أستمع إلى الآخر”؟ من يعرف سعيد المعلّم الذي قال لطلابه: “لا تتبعوني، انتقدوني”؟ من يعرف سعيد الإنسان الذي كان “يمشي على الجبال لتفادي السقوط في فخ معاداة السامية”؟

هذا هو سعيد الجوهري، الذي لا يظهر في المختصرات والملخصات. وعمارة يقدمه لنا ببراعة.

3 . الربط باللحظة العربية الراهنة

الكتاب ليس تأريخا لفكر ميت، بل تشخيصاً لحاضرنا. إنه يقرأ صراعاتنا، انقساماتنا، هواجسنا من خلال عدسة سعيد. ولهذا يبدو سعيد، في هذا الكتاب، معاصرا لنا، يتحدث إلينا مباشرة، يحذرنا من “فخاخ الهوية المغلقة”، ويدعونا إلى “المقاومة الأخلاقية” بدل المقاومة العمياء.

 

 خلاصة: لماذا يجب أن تقرأ هذا الكتاب؟

إذا كنت طالباً في الأدب أو الفلسفة أو العلوم السياسية، فهذا الكتاب هو مدخلك المثالي إلى فكر إدوارد سعيد. لا توجد دراسة عربية بهذا الجمع بين الشمولية والوضوح.

إذا كنت باحثاً أو أستاذاً، فستجد في هذا الكتاب مرجعاً تعليمياً ممتازاً، يصلح تدريسه للطلبة في مختلف المستويات.

إذا كنت مثقفاً أو قارئاً عادياً يعاني من تمزق الهوية، ويبحث عن صوت يفسر له حيرته، فهذا الكتاب سيكون رفيقاً روحياً. ستجد فيه جزءاً من قصتك، جزءاً من ألمك، جزءاً من سؤالك.

وإذا كنت عربياً يعيش في الغرب، أو غربياً يعيش في الشرق، أو إنساناً يشعر بأنه “خارج المكان” في كل مكان، فهذا الكتاب لك تحديداً. سعيد هو صوتك، وصوته سيتردد في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب.

كلمة أخيرة

في زمن الاستقطاب الحاد، زمن خطابات الكراهية، زمن الهويات المغلقة، زمن الإعلام الذي يكرس الصور النمطية… في هذا الزمن القاسي، يظل إدوارد سعيد منارة، ونحن في أمس الحاجة إلى من يضيئها لنا.

يحيى عمارة، بهذا الكتاب، لا يضيء منارة سعيد فقط، بل يقدمها لنا كخريطة، كدليل، كرفيق في الرحلة.

الكتاب: قراءة في مشروع الفكر النقدي لإدوارد سعيد

المؤلف: د. يحيى عمارة

التقديم: د. محمد الداهي (جامعة محمد الخامس، الرباط)

الصنف: دراسات نقدية / فكر معاصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق