قصة قصيرة: (شاعرية جدة)
كانت أمينة في بيتها مستمتعة بمتابعة حركات حفيدتها ذات الثلاث سنوات وهي تلهو بلعبها ترمي بها جانبا ثم تعود إليها وهي تداعبها بين الحين والآخر لتنطلقا معا في مرح جميل.في نفس الوقت كانت أمينة تتصفح بهاتفها المحمول ما ينشر على الفيسبوك من صفحات أدبية وثقافة للإطلاع على أجواء الفكر والإبداع في مسايرة مستجدات العصر،فأمينة مولعة منذ صغرها بقراءة عيون الشعر العربي لكبار الشعراء ومشاهير ادباء العصر.وهي تتابع اليوم صفحة أدبية تغيرت ملامح وجهها فجأة وقطبت جبينها حين قرأت قصائد لشعراء شباب ذاع صيتهم في المنابر الالكترونية رغم أن لغة وأساليب ابداعهم لا ترقى إلى المستوى المطلوب.شعرت أمينة باستياء .فقد وجدت لغة ومفردات بعض تلك القصائد مبتذلة تخدش حياء القارئ وتنزل بمستوى الأدب وبمستوى القيم وتؤثر بشكل سلبي على أذواق القراء.بدا على أمينة قلق لاحظته حفيدتها الصغيرة وقرأته في تغير سلوكها فجأة وانصرافها عنها إلى إحدى كراساتها الخاصة التي كانت تكتب فيها بعض الأحيان .
ودت أمينة لو تنخرط في تلك الصفحات عبر الإنترنت للادلاء برأيها وتوجيه تلك الأقلام المبدعة غير الملتزمة ،لكنها للأسف لم تكن تجيد استعمال تقنيات الولوج إلى صفحات الكتابة الإلكترونية. وسرعان ما انتبهت أمينة إلى حفيدتها الرائعة بعينيها البريئتين تنظر إليها بقلق وكأنها شعرت بما يخالج صدر جدتها من انفعالات وتوتر .كانت في النظرات اللامعة البريئة للطفلة تساؤلات وعدة معاني قرأتها الجدة ببصيرتها وروحها المرهفة فرسمتها في حوار شاعري عفوي بينها وبين حفيدتها…. مالك وركوب الموج يا جدتي؟! قالت لي عيون حفيدتي ونحن بشاطئ عجيب سحري أحرك مجاديفي لألاحق مراكب عابثة تجري لا تبالي بتلويث البحر…. الأجواء مكهربة يا جدتي والموج عالي.. اتركي لي أمواجك هادئة أنعم فيها بالأمان ..لا تجدفي بالأحلام في بحور تعكر المزاج.. أريد مياهك صافية أنهل منها الحنان رقيقا عذبا على مدى الأيام كفاك يا جدتي من الأخطار قد أفنيت عمرك في الإبحار… هكذا ألهمت الصغيرة جدتها وخففت من حدة قلقها،فضمتها أمينة إلى صدرها،قبلت خصلات شعرها المنساب وهي تواسي نفسها وشاعريتها تاركة مجاديفها للأبناء والاحفاد وخوفها عليهم يزداد في زمن غريب اللغة والأطوار.
سعاد الرايس
















