من الدراما إلى الدراما التلفزيونية د.عزيز زروقي

هيئة التحرير
نشرت منذ 4 ساعات يوم 23 أكتوبر, 2026-1 مشاهدة
من الدراما إلى الدراما التلفزيونية د.عزيز زروقي

 

يشير بعض المتخصصين في مفهوم الدراما وتاريخها إلى ذلك التطور الملحوظ في وسائل الترفيه البصري الذي عرفته أوربا أواخر القرن 18؛ وكانت عروض خيال الظل المسرحية التي تسلط الضوء على أشياء أو شخوص يتم تحريكها من وراء ستار أبيض شفاف لتبرز أجسام على شكل ظلال تتحرك وتحاكي مشاهد من الحياة، من مقدمات بروز شاشة تحرك الأشياء باستخدام تقنيات معينة أضحت تعرف بالكاميرا عندما ظهرت فيما بعد، ويعرف منتوجها بالسينماتوغراف. وقد كانت في البداية، أواخر القرن 19، تسجيلية واقعية ووثائقية قصيرة جدا ولا تتوفر فيها صفة العرض الفني، ثم توجهت العدسة والرغبة في محاكاة فنية نحو المسرح لتجلب منه موضوعاته الدرامية.
وقد كانت للصورة أهمية بالغة في مسار تطور الدراما عبر التاريخ، وخاصة منذ اختراع السينما، حيث أصبحت الصورة تفرض سطوتها وتثير الرهبة والخوف والدهشة، ففي فيلم (لوي لوميير) Auguste et Louis Lumière الأول في تاريخ السينما، حين وصل القطار إلي تلك المحطة سنة 1895م “متجها مباشرة نحو الكاميرا، صرخ المتفرجون وقفزوا من أماكنهم خشية أن يدهسهم القطار”، وعندما شطر ((لويس بونويل) Luis Buñuel في فيلم “كلب أندلسي” Un Chien Andalou عام 1929م عين امرأة إلى نصفين بمــوس حلاقة، صرخ المتفرجون من شدة التأثر، ومثل ذلك أصاب الجمهور أثناء مشاهدته أفلاماً تصور العمليات الجراحية، وتقيأ أثناء مشاهدة الولادة، ونهض ثائرا في حماسة عفوية لدى رؤيته أفلاما دعائية، وذرف الدموع على البطلة المصابة باللوكيميا، والتي تحتضر في مشهد مطول… .
وقد تم اعتبار ما تنجزه السينما عندما بدأت تعمل بأسلوب المسرح والمتمثل في محاكاة الواقع مجرد عرض لعمل مسرحي ويعرض بواسطة الصورة، بعد أن كانت تعرض مباشرة على الخشبة وأمام جمهور، غير أن ذلك التصور تراجع بعد ذلك، وأصبح واضحا أن تحويل مسرحية إلى فيلم يفرض تجاوز أساس العمل المسرحي القائم على وحدة تضغط الأحداث في بضع مشاهد، وتحويل هذه الوحدة إلى قصة ملحمية تعرض الأحداث في مجال زمني أوسع، وبطريقة مباشرة فيما يرد كثير منها في المسرحية بشكل غير مباشر، باعتبارها حدثت في الماضي، أو خارج المنظر المسرحي المعروض بين المشاهد أو أثناءها، وهو ما يعني أن المسرح يعتمد على الآنية في إظهار الأحداث والشخصيات، ويصعب عليه استحضار الماضي أو الرجوع إليه، بينما أصبحت السينما قادرة على أن تفعل ذلك بشكل كبير عبر تعدد المشاهد وسهول الانتقال بين المشاهد، وامكانيات “الفلاش باك” للعودة إلى الماضي واستحضاره، مما أطلق العنان لكل من المكان والزمان وللفضاء المتخيل، وهو ما فتح مجالا أرحب للمتخيل في المجال السينمائي.
اجتمعت السينما، عندما تطورت، مع المسرح في محاكاة السلوك البشري وأفعال الإنسان، وإحداث تفاعل مع المتلقي. وتمثلت أبرز عناصر اجتماعهما في عنصر المشاهدة البصرية، وفي الجمهور المتلقي، وفي مكان العرض وزمنه (صالة العرض) التي تحتضن هذا الجمهور، وكذلك في الانتقال من لغة الأدب إلى لغة الصورة. ومن جانب آخر، استفادت السينما من تقنيات وأدوات وأساليب المسرح في العرض؛ فاستوحت منه درامية الأحداث وإعداد المناظر وعملية التشخيص الدرامي بالاستعانة بممثلين يجسدون قصة تقوم على فكرة معينة وحبكة تتحكم في مجرى الأحداث وتطورها إلى أزمة أو عقدة، ثم الانفراج أو الحل في النهاية، وكل ذلك عن طريق الحوار. وهكذا تكون السينما قد أضافت الكثير للدراما، ومن أهم ما أضافته قدرة التأمل في ملامح الشخصيات وفي المناظر عبر اللقطات المقربة والبعيدة، ما ساهم في مزيد من التأثير في المشاهد.
مثل ظهور التلفزيون، أو الصورة المنقولة لا سلكيا، والقادمة من بعيد في معناه الحرفي، باعتباره وسيلة اتصال بصرية جديدة ستصبح فيما بعد واسعة الانتشار، ثورة كبيرة ضمن الثورات التقنية التي تحققت في أواسط القرن 20، وتحولت إلى قوة تواصلية كبيرة اخترقت بيوت الناس، ووجهت إليهم في بيآتهم الخاصة. شكلت هذه الواسطة نقطة كبرى في تطور الدراما؛ وإذا كان هذا المصطلح قد ارتبط بالمسرح طوال تاريخ ممتد منذ آلاف السنين، وانتقل شيئا فشيئا ليجد له موقعا في السينما، فقد ضمنت الدراما مكانا آخر لها في التلفزيون وأصبحت تعني في معناها أيضا الفن التمثيلي المقدم على الشاشة الصغيرة في البيوت، وهو ما أصبح يعرف بـ”الدراما التليفزيونية”.
ويقول بعض الباحثين إن التلفزيون تنبه إلى أهمية الدراما في ضمان التواصل مع الجمهور والوصول إليه، فانفتح عليه منذ ظهوره تقريبا؛ وقد كتبت صحيفة (واشنطن بوسط ) Washington Post سنة 1928م مقالا يوثق لبداية العلاقة بين الدراما والبث التلفزيوني تحت عنوان: “الدراما أذيعت عبر التلفزيون”، بما يوحي ببدايات بروز ما سيعرف بالدراما التلفزيونية. وكان ذلك في سياق تقديم المخرج الإذاعي (مورتيمير ستيوار) Stewart Mortimer في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1928م لأول تمثيلية تلفزيونية في العام نفسه الذي انطلق فيه البث التلفزيوني.
وبالطريقة التي اعتمدت فيها السينما على خبرة وأدوات وآليات المسرح، وحصلت منه على الممثلين، لجأ التلفزيون أيضا إلى “أب الدراما” بصفة خاصة ليحصل على مؤلفين، ثم إلى السينما ليضمن مكانه وسط الجمهور، ويجلب شريحة عريضة منهم نحوه، ولكن هذه المرة خارج صالة العرض والخشبة، وقريبا من الجمهور، بل في بيوتهم. وفي كل الحالات؛ فقد اعتمد التلفزيون على الفنانين المشتغلين في المسرح والسينما في بداية مسيرته الأولى باتجاه الجمهور، وسرعان ما بدأ التلفزيون في الاعتماد على نفسه، وأصبح له تقنيوه ومخرجوه وكتابه وأسلوبه الخاص، وبدأ في عرض محاكاته الخاصة بعد أن كان يعرض أعمال المسرح معادة ومسجلة. وقد شكل ظهور الدراما التلفزيونية تحولا مهما في تطور الدراما بشكل عام، وتطلب الأمر وقت مهما لبداية الحديث عنها نقديا، من أجل وفهم مبادئها وتقنياتها الأساسية، وذلك بالاستفادة من التجارب السابقة، سواء في المسرح أو السينما وغيرها من الفنون.
ساهم ظهور الدراما التلفزيونية، وقبلها السينمائية، في فرض تصور يجعل مفهوم الدراما شاملا لكل أعمال المحاكاة، بالتعريف الأرسطي للدراما، في المسرح والسينما والتلفزيون، ونقد كل من يحاول الفصل بينها. وقد كان (مارتن إسلن) Martin Essli الذين انتبهوا لتعسف هذا الفصل حيث استغرب التركيز على دراما المسرح وتجاهل دراما السينما والتلفزيون، رغم أنها تشكل معظم المادة الدرامية في عصرنا. فقد تأسست فنون المسرح والسينما والتلفزيون، في جوهرها، على محاكاة فعل الإنسان، واعتمدت على شخصیات وحوار وأزياء، وفضاء يديره مخرج. وعلى الرغم من ذلك، تباينت حظوظها من الاهتمام الأكاديمي؛ إذ ظل المسرح دائما موضوع الدراسات النقدية، أكثر من غيره بكثير.
ففي جميع الأحوال، فقد استقر تعريف الدراما في عصرنا على أنها فن مسرحي يؤدى على المسرح، أو التلفزيون، أو الراديو، ويطلق على المسرحيات والتمثيل بشكل عام، كما تعرف على أنها حدث أو ظرف مثير أو عاطفي أو غير متوقع. وتعرف أدبيا على أنها تركيب من الشعر أو النثر، الهدف منه تصوير الحياة أو الشخصية، أو سرد القصة التي عادة ما تنطوي على الصراعات والعواطف من خلال الحدث والحوار المصمم عادة للأداء والتمثيل.
يعتبر عمل المحاكاة في الدراما المرئية رحب وواسع، إذ يسمح التلفزيون فيه بكثير من الحرية في استخدام عنصر الزمان والمكان، والانتقال بالكاميرا إلى عوالم لم يكن في الإمكان من قبل الوصول إليها ومحاكاتها. وتختلف محاكاة الدراما التلفزيونية عن غيرها في الجانب التقني، إذ تتم بواسطة شخصیات في زمكانية محددة تعتمد الحوار الدرامي، وتعد تقنيا للعرض على شاشة التلفزيون، وليس السينما أو خشبة المسرح. ويسمح الحكي باعتباره العمود الفقري للدراما التلفزيونية برؤية عوالم تنتظم بطريقة قصصية، وكأن هذه القصة تحدث أمام المتفرج في أوانه، ومهما تأرجحت المشاهد بين التصديق والتكذيب، ومهما تأرجح العمل بين الواقعية والشكلية، فهي بذلك تعتبر لونا من ألوان الدراما، والذي ننعته بدراما التلفزيون. وقد تختلف أنواع هذه الدراما حسب طبيعة مضمون النص الدرامي، فقد تكون عبارة عن دراما تاريخية أو اجتماعية أو دينية أو سياسية أو اقتصادية أو دراما واقعية.
إن السمة الرئيسية التي تميز الدراما التليفزيونية عن الدراما التي تقدم على خشبة المسرح هي الحيز الكبير الذي تعطيه الدراما التليفزيونية على كل المستويات، سواء على مستوى الزمان أو المكان أو تعدد الشخصيات. ففي خشبة المسرح يظل المكان في الدراما المقدمة فيها مقتصرا على نطاق تلك الخشبة وما يجب أن يوضع عليها من ديكور للتعبير عن المكان الذي يراد محاكاته. كما أن خشبة المسرح تفرض وحدة مكانية، ولا يسمح عدم الالتزام بها بالحرية في تغيرها، إذ يتطلب الأمر إغلاقا متكررا للستائر أو إظلام المسرح لتغيير معالم المكان، والتغيير الوحيد الممكن هو الذي يتم بين فصول المسرحية.
وعكس ذلك تتيح الدراما التليفزيونية إمكانيات عجيبة تتجاوز بها هذه الأزمة. تسمح الكاميرا وتتابع المشاهد بالتجاوب مع ما تفرضه القصة من أمكنة وفضاءات. ويقول أحد الباحثين “إن كاتب الدراما التليفزيونية لن يفكر من الأساس في أزمة تعدد الأماكن. لن يكون هناك قيد عليه إلا إذا تابع مشاهده وما تفرضه عليه القصة التي يتناولها كاتب الدراما التليفزيونية. سيكتب مشاهده وفق ما يراه مناسبا لقصته محددا أماكن حدوثها وفق ما يفرضه الواقع عليه (…) وحين يفعل ذلك سيجد نفسه وقد دارت أحداث حلقة واحدة من حلقات عمله الدرامي ربما في عشرين مكانا مختلفا. هذا يعني أن عملا مكونا من خمس عشرة حلقة قد نجد أنفسنا مع نهايته وقد زرنا مائة مكان مختلف وربما أكثر”.
كما تتيح الدراما التلفزيونية حرية واسعة في التنقل بين الأزمنة؛ فقد كان صانع العمل المسرحي مضطرا إلى الالتزام بوحدة الزمان الأرسطية الكلاسيكية، حيث يدور العمل المسرحي في زمن يقترب إلى حد كبير من زمن المشاهدة الفعلية له، أي الوقت المسرحي، وقد يتم القفز في فصول المسرحية بين أزمنة محددة ومتباعدة، وربما تم تجاوز هذه الأزمة أحيانا باستخدام الحوار في تقديم المعلومات لسد الفجوات الزمنية الناشئة في القصة المقدمة، وهو ما يعني أن هذا سيؤثر بالضرورة على طبيعة الجمل الحوارية داخل الدراما المسرحية. أما في دراما التلفزيون فإن المساحة الزمنية أطول بكثير، وتسمح بتقديم التفاصيل بسهولة ومرونة إما بالعودة إلى الخلف على شكل “فلاش باك”، أو عن طريق الحكي على ألسنة الشخصيات أو ملامحها.
يسمح الحيز المكاني والزماني الشاسع لصانع الدراما التلفزيونية حيزا مماثلا في عرض شخصياته، كما وكيفا، فمن ناحية تعطيه هذه المساحة الزمانية والمكانية قدرة على تقديم عدد أكبر من الشخصيات، حيث يذهب هنا وهناك في أزمنة مختلفة وأماكن متعددة، ويقدم وجوها أكثر، بعضها يقف الكاتب عنده ليضمه إلى شخصيات نصه الدرامي. ومن ناحية أخرى تعطيه قدرة أكبر على تقديم تفاصيل هذه الشخصيات مبرزا بشكل أكبر وأكثر وضوحا تكويناتها النفسية وسماتها وخصائصها وتاريخها وحاضرها وربما مستقبلها.
وعلى مستوى الحبكة الدرامية التي تميز مفهوم الدراما ويمنحه معناه الحقيقي، فإن المشتغل على دراما المسرح، والسينما أيضا، يكون في ذهنه أثناء اشتغاله على عمله المسرحي ذلك الخط الدرامي المتصاعد الذي يبلغ العقدة في وسط النص المسرحي، قبل أن تنفك هذه العقدة تدريجيا مع الاقتراب من النهاية، أو تظل معقدة إلى النهاية إذا ما اختار صانع الدراما ما يسمى بالنهاية المفتوحة التي تطرح السؤال وليس الحل. وفي الدراما التلفزيونية، ينتظر المتلقي حلقات ضمن مسلسل يبلغ 20 حلقة أو أكثر ليدخل في وسط الحبكة أو بداياتها، وللحفاظ على ربط المشاهد بالعمل المقدم، قد يضع صانع الدراما التلفزية خطا دراميا خاصا لكل حلقة، ويتضمن كل عناصر الدراما، باعتبار الحلقة شكلا منفردا أو عضوا يتم ضمه إلى غيره من الأعضاء ليكتمل جسد المادة الدرامية كلها في النهاية. وهو ما يجعله يحتاج إلى حرفية أدق ومجهود أكبر للحفاظ على عناصر الدراما، وأبرزها عنصر الصراع.
وإذا كان الحوار هو روح النص الدرامي المسرحي أو السينمائي والتليفزيوني، فإن المشتغل على المسرح يكون على وعي تام بأن كل كلمة تخرج على لسان إحدى شخصياته لا بد وأن تضيف جديدا، أو قد تعبر حتى عن رأي المخرج نفسه من خلال استنطاق إحدى شخصياته الخالصة. فالمتلقي مرتبط بزمن محدد، هو زمن العرض المسرحي الذي يفرض عليه ذلك، فإذا ما شعر بأن الحوار الدائر على ألسنة الشخصيات على خشبة المسرح قد تحول إلى فضفضة فارغة انصرف عن المشاهدة. أما في الدراما التليفزيونية، فيبدو الأمر مختلفا تماما؛ ذلك أن المساحة الزمنية تسمح بجعل المشاهد أكثر عرضة للنسيان، ما يجعل صانع هذه الدراما مضطرا إلى أن يقدم إيحاءات وتكرارات لتنشيط ذاكرة المشاهد والسماح له بتذكر بعض ما ورد في الحلقات السابقة؛ ومن ذلك، إعادة مشهد من زاوية أخرى، أو من وجهة نظر أخرى، وربما إضافة جديد إلى مشهد سابق لم يكتمل، أو العودة إلى الوراء لتقديم مشهد لم يعرض قبلا (فالش باك) Flash back، وهو ما لا يمكن القيام به بأريحية على خشبة المسرح.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق