قصة قصيرة: (صيحة أخوة)
انتهى الكاتب الصحفي يوسف من تحرير مقال صحفي ،وقبل أن يراجعه ليرسله إلى موقع الجريدة التي يشتغل بها ألقى نظرة على هاتفه الذكي قصد الاطلاع على جديد الفيسبوك ،فإذا به يرى ما نشرته أخته كوثر الطالبة الجامعية في صباح هذا اليوم على صفحتها الفيسبوكية.لقد شجعها دائما على الكتابة تقديرا لموهبتها الأدبية ومهاراتها التعبيرية ،لكنه يستغرب اليوم كيف ألقت قراءة شعرية لبعض قصائدها مرفقة إياها بفيديو يعرض صورها الخاصة بطريقة “الكليب”الذي أصبح معتمدا في مجال الغناء في السنوات الأخيرة.استاء الصحفي يوسف كثيرا من التسجيل الصوتي المرئي الذي قامت به أخته وعرضته في صفحتها ،واتصل بها ليعرف أين هي حتى يكلمها بشأن هذا الموضوع.أخبرته بأنها في الكلية فقال لها بأنه سينتظرها أمام باب الكلية بعد انتهاء المحاضرة.أحست كوثر بقلق في صوت أخيها وخمنت أن ذلك بسبب التسجيل الذي عرضته اليوم بالفيسبوك.تابعت المحاضرة الأخيرة في هذا الصباح بتفكير مشوش مضطرب. وبعد انتهاء المحاضرة خرجت شاردة الذهن برفقة بعض صديقاتها.وحين رأت أخاها يوسف ينتظرها في سيارته قرب مدخل الكلية ودعت صديقاتها وأسرعت الخطو لتركب السيارة إلى جانب أخيها.بدا لها عابس الوجه على غير عادته وأسرع بالسيارة مبتعدا عن الكلية متوجها نحو وسط المدينة .أوقف السيارة فجأة أمام احد المتاجر ثم وجه إليها الكلام مستفسرا عما رآه في صفحتها ب”الفيس” هذا اليوم.قالت له بأنها تجرب بهذه الطريقة زيادة عدد المتابعين لصفحتها لترى مدى تفاعلهم مع ما تكتبه مثلما فعلت إحدى صديقاتها بمساعدة أحد الطلبة في إخراج وتصميم فيديو..هنا صاح أخوها يوسف في وجهها غير مبال بالمارة في الشارع العام قائلا لها : ما قمت به خطأ وتجربة ما كان عليك أن تقومي بها قبل أن تأخذي رأيي. أنا غير موافق على هذا التصرف. هل تبحثين عن الشهرة على حساب سمعتك وأخلاقك؟هل نسيت أننا من أسرة محافظة ،وأنك يجب ألا تنساقي مع مغريات هذا التطور الرقمي؟ هل نسيت طموحك في الدراسة وأملك بأن تشتغلي مستقبلا بالتدريس أم أنك ستصبحين ممثلة بهذه الفيديوهات المفبركة؟ ! طأطأت كوثر رأسها واحمر وجهها خجلا حين وبخها أخوها بهذا الكلام، وشعرت بكلماته مثل صفعات على وجهها وعقلها.وبيد مرتجفة أخرجت هاتفها من محفظة يدها وقالت له : سأقوم بإلغاء ذلك التسجيل يا أخي،أنت على حق وأنا فعلا تسرعت في خوض هذه التجربة ووقعت في خطأ. وكأن اعترافها بالخطأ هدأ من غضب يوسف بعض الشيء،فقال لها محاولا توعيتها وإيقاظ ضميرها: هل تعلمين بأن شركات التواصل الاجتماعي والرقمي تستعبدنا ونصبح بالنسبة لها مثل السلع تروجها لتحقق المزيد من الأرباح بقدر انسياقنا مع ما تغرينا به من ظهور وتأثير وزيادة تفاعل المتابعين !؟صحيح نحن نعيش في عالم جديد وعلينا أن نساير هذه الثورة الرقمية ولكن مع تمسكنا بثبات الشخصية والهوية والأصول وليس عرض الصور الخاصة وتقديمها لمخرج الفيديو ليصمم إخراجها بالطريقة التي تحلو له . توقف يوسف عن الكلام لحظة ثم سألها:هل أدركت خطورة التعامل مع اقتراحات ومغريات وسائل التواصل المفتوحة على العالم؟! نظرت كوثر إلى أخيها مؤيدة وبسرعة فتحت تطبيق هاتفها الخاص بالفيسبوك ودخلت إلى صفحتها وألغت الفيديو الذي سجلته مؤخرا.فهي تثق دائما بأخيها وبمواقفه وقد اقتنعت بتوجيهاته وأدركت عواقب تصرفات كانت ستنال من وقار سمعتها ومكانتها المحترمة.لقد انتبهت قبل فوات الأوان إلى انسياقها الأعمى في لحظة ضعف أمام إغراء الصورة والشهرة وعبرت لأخيها عن ندمها واعتذارها.وبعد هذا الاعتذار والتأكد من إلغاء كوثر لما نشرته مؤخرا في صفحتها بالفيسبوك،عاد ليوسف بعض الهدوء فتابع الطريق بسيارته نحو البيت وطلبت منه أخته ألا يخبر والديهما بالموضوع وظلت طوال الطريق تلوم نفسها في صمت بعد أن أدركت أنها وقعت في فخ ما كان عليها الوقوع فيه بدعوى التطور ومسايرة مستجدات العصر. سعاد الرايس

















