في مفهوم الدراما د عزيز زروقي

هيئة التحرير
نشرت منذ 3 أسابيع يوم 5 أكتوبر, 2026-16 مشاهدة
في مفهوم الدراما د عزيز زروقي

في مفهوم الدراما
د.عزيز زروقي

لا يحيل لفظ “الدراما” في اللغة العربية إلى شيء محدد، إذ أن لفظ المصطلح DRAMA مستورد من لغة اليونان، واستقر استعمال المتخصصين له على معناه الأصلي في تلك اللغة، والدال على الفعل؛ حيث تعني كلمة Drao أي حدث أو فعل أو عمل يؤدى، سواء في الحياة أو خشبة المسرح، كما أن وصف درامي تحيل في اللاتينية واليونانية إلى كلِ ما يحتمل الإثارة أو الخطر. وتشكل هذه الكلمة إلى جانب الملحمية والشعر الفروع الثلاثة للنوع الأدبي الواحد عند الإغريق. كما أنها تحيل في كل دلالاتها عند هؤلاء، وطيلة تاريخ هذا المصطلح قبل بروز السينما والتلفزيون، إلى المسرح دون غيره.
ومن ناحية الاصطلاح، فقد اعتبر (أرسطو) Aristote، الدراما هي محاكاة لجانب من جوانب الفعل البشري، يعرضها ممثلون، الذين يقلدون الأشخاص الأصليين في لباسهم وأقوالهم وأفعالهم. مؤكدا على فعل المحاكاة؛ إذ ولد الإنسان مقلدا، ويجد لذة دائما في المحاكاة. وقد تطور هذا الفعل ليصبح منظما، وأضحت الدراما “فن التعبير عن الأفكار الخاصة بالحياة، في صورة تجعل هذا التعبير ممكن الإيضاح بواسطة ممثلين”. وعموما فـ”الدراما مشتقة من كلمة يونانية تعني يفعل أو سلك، عرفها (أرسطو) Aristote باعتبارها محاكاة لفعل إنساني، تعريف يظل محتفظا بجدواه، والدراما تفرض مسرحا وممثلين وجمهورا لكي تكتمل خبرة تذوقها”.
يتضمن مصطلح الأدب الدرامي عنصرين أساسيين هما النص المكتوب من جهة، وتجسيد هذا النص من جهة أخرى؛ ويعتبر المتخصصون أن لا حياة للدراما بغير وظيفة إظهار الأشياء من واقع الحدث بواسطة الحوار الذي يؤديه ممثلون، ويتضمن “مونولوجات” Monologue (تعبير فردي) و”ديالوجات” Dialogues (حوارات)، وبذلك تختلف الدراما عن الشعر والنثر في جانب تمثيل النص وتحويله إلى أداء. وفي هذا الصدد يرى (مارتن أسلن) Martin Esslin أن العنصر الذي يجعل الدراما تختلف عن الأدب ويحدد تعريفها، هو ذلك الفعل الذي يمثل خارج الكلمات، والذي ينبغي أن يُشاهد بصفته فعلا في حيز التمثيل من أجل إضفاء معنى على مفهوم الكاتب بعينه. فالدراما إذن بناء على هذا الفرق، “اقتباس نص ملحمي أو شعري وتحويله إلى نص درامي، أو إلى مواد خاصة بالمسرح”.
فمن الجانب الأدبي، تعتبر الدراما جمع من الشعر أو النثر، الهدف منه تصوير الحياة أو الشخصية، أو سرد القصة التي عادة ما تتضمن الصراعات والعواطف من خلال الحدث والحوار المصمم عادة للأداء على المسرح. فالدراما تقدم على شكل سلسلة المواقف التي تستولي على انتباه الجمهور وينشأ عن كل موقف آخر، ويحدث هذا الانتقال بين المواقف مجموعة من التغيرات حتى نهاية الحركة التي توصف بأنها نهاية التوقع.
اعتمادا على ما سبق، يتم التأكيد على أن الدراما فن أدائي في الدرجة الأولى. ويشكل الحدث أبرز عناصر هذا الفن، والذي ينبغي أن يتضمن عناصر الصّراع، ويتم تطويره بالحبكة والفعل ورد الفعل وتصارع الإرادات، كما أن الحدث لابد له أن يتم بالشخصية أو الشخصيات، وتستعمل الحوار باعتباره الوسيلة الجوهرية في الدراما، والذي يسمح، من خلال تقسيمه على أكثر من شخصية، بتوضيح ملامح وأدوار ومواقف تلك الشخصيات وتحديد الأبطال ورسم العلاقات بينهم وبين باقي الشخصيات والأدوار. ويمثل الجمهور أبرز شرط لتحقق الدراما، لأنها تعرض الواقع والحدث والتصرفات أمام المتلقي، فالحركة الدرامية هي متوالية الأفعال المسرحية التي تحوّل اللغة المكتوبة إلى لغة مرئية منطوقة ومؤدّاة، بحيث تعطيها معناها الصحيح في الزمان والمكان اللذين يصبح الممثل والمشاهد شركاء فيهما. ويتم ذلك أيضا في وقت محدد، يحرص فيه الدرامي ألا يضعف من شغف الجمهور المشاهد أو يشتت ذهنه. ونقرأ في معجم أعلام ومصطلحات المسرح أن التركيب الأدبي للدراما احتوى في الغالب الأعم على مقدمة الصراع، أو الافتتاحية، ثم المعرض العام أو مدخل المسرحية، حيث يتم فيه الشرح والإبانة، ثم رصد صلب المشكلة أو العقدة، وعادة ما تحتل وسط المسرحية، حيث يقوى الصراع وتتجسد “التضادات” الدرامية حتى تصل إلى القمة أو الذروة، وتنتهي الدراما بالحل في جزئها الأخير.
وقد وصفت كثير من الدراسات أشكالا متعددة لما قبل الدراما أو المسرح عند مختلف الشعوب والحضارات القديمة، في الشرق أو الغرب، وأكدت كلها على استعمال الإنسان الطبيعي للمحاكاة وذلك بتقليد واقعه المليء بالصراعات والحركة بأساليب عدة مثل الرقص أو الغناء أو الحركات والإيماءات وغيرها. وكما اتفق معظم المتخصصين على أن بدايات الدراما، كانت عبارة عن محاولات لنقل صورة منظمة للأحداث الجارية، والأساطير المعروفة، وكانت تستقي مادتها من الحياة من خلال التقليد، فإنهم يتفقون على أن البداية الحقيقية للدراما، بالتعريف الذي تحدثنا عنه، تعود إلى الإغريق الذين عرضوا هذه المحاكاة فوق خشبة بحضور جمهور، وأدخلوا عنصرا الحوار كأداة تخاطب في العمل الدرامي، والبطل الإنسان ليصارع الآلهة أو القوى الطبيعية المحيطة به. أنتجت الثقافة اليونانية فرعين رئيسيين للدراما، ثم تطورت هذه الفروع إلى أشكال وتسميات أخرى على مر العصور حتى الوقت الحالي، ويتعلق الأمر؛ بالتراجيديا أو المأساة والكوميديا أو الملهاة، كما يضيف البعض فرعا ثالثا هو المسرحية الهجائية.
تقدم التراجيديا Tragoedia أو المأساة فعلا بشرياً صعبا، وينتهي بالموت غالباً؛ فالقصة التراجيدية تقلّد الأفعال الإنسانية الموضوعة تحت خانة العذابات وما يتلوها من الشفقة، حتى لحظة اعتراف الشخصيات فيما بينها أو إدراك مصدر الشر. فالحديث عن المأساة إذن هو حديث عن شقاء الانسان وعذابه وآلامه، وكيفية التخلص من ذلك العذاب. والتراجيديا بتعريف (أرسطو) Aristote محاكاة لفعل نبيل تام، لها زمن معلوم، بلغة تختلف وفقاً لاختلاف الأجزاء، وتتم هذه المحاكاة بواسطة أشخاص يفعلون ويتحركون، لا بواسطة السرد والحكاية، وتثير الشفقة والرحمة والخوف فتؤدي إلى التطهير من هذه الانفعالات.
ويتضمن هذا التعريف عناصر متعددة منها تطهير العواطف بإنتاج الخوف والشفقة، والخطأ أو فعل البطل الذي يحرك القضية التي ستؤدي إلى الخسارة، والتطرّف، أو فخر البطل وعناده الذي يتابع على الرغم من التحذيرات ويرفض التهرب، ثم المبالغة، وتحيل إلى عذاب البطل الذي تقدمه التراجيديا إلى الجمهور. واختصارا فإن جوهر التراجيديا هو الفعل Action أو مجموعة الأفعال، وهي التي تقود الحكاية، بواسطة شخصيات حتى تصل إلى الهدف الذي وجدت من أجله وهو التطهيرCatharsis.
وقد ذكر المتخصصون في تاريخ التراجيديا ثلاث حقب ازدهرت فيها؛ وأولها العهد اليوناني الكلاسيكي في القرن الخامس قبل الميلاد، ثم إنجلترا (الإليزابيثية) Elisabéthaine ، وفرنسا في القرن 17م، كما تحدثوا عن تطور انشغالات دراما التراجيديا بالشخصيات العظيمة، وبالآلهة عند الإغريق، ثم بأبطال من البشر هم أنصاف آلهة، ثم أصبح الإنسان هو البطل، خاصة خلال عصر النهضة في أوربا، حين كان يظن أن الإنسان مركز العالم. وظلت تعرف بالتراجيديا الكلاسيكية حتى ظهرت منها توجهات أخرى أبرزها التراجيديا المحلية أو البورجوازية، وهو الاسم الذي استعمل في القرن 18م، خصوصا من قبل (دينيس ديدرو) Denis Diderot والتراجيدية البطولية التي ظهرت في إنجلترا مع (جون درايدن) John Dryden وهو تقليد للتراجيديا الكلاسيكية الفرنسية، بأسلوب رفيع ومثير للعواطف، ومواضيع رومنسية ومثالية، ثم التراجيديا السياسية التي تستعمل عناصر تاريخية حقيقية أو تدعي بأنها كذلك.
أما الكوميديا COMÉDIE أو الملهاة، فقد كانت في البداية عبارة عن أغنية طقسية تنشد خلال الموكب على شرف الإله (ديونيزوس) Dionysos، وتعني كل مسرحية تختلف عن المأساة لأنها تتخلى عن عظمة البطل التراجيدي وجدية عقدته، ووضع شخصيات مضحكة، بنصيب ضيق في الحياة، بدلا منه، ويجب ألا تدفع بالجمهور إلى اليأس أو الحزن. وقد كانت الكوميديا تختلف عن التراجيديا بثلاثة معايير، يتعلق الأول بانتماء الشخصيات إلى طبقة اجتماعية فقيرة، ويتميز الثاني بكون حل العقدة مفرح، ويتمثل الثالث في غاية المسرحية وهي إطلاق الضحكة عند الجمهور. أما البناء الدرامي مختلف عن بناء التراجيديا لأنه يعتمد على الصدفة المضحكة وينبني على عناصر مثل سوء الفهم واللبس وكل ما قد يفضي إلى الضحك والترفيه.
وقد كانت الكوميديا اليونانية التي ظهرت متزامنة مع المأساة هي النقيض الواضح للمأساوية؛ فقد كانت الكوميديا تحاكي أشخاص عاديين من الفئات الاجتماعية الفقيرة، ولا تستمد مواضيعها من عمق تاريخي أو ميثولوجي، وتكرس نفسها للواقع العادي والبسيط للناس البسطاء. أما حل العقدة، فلم يكن يتم بتقديم جثث أو ضحايا على الخشبة، بل عادة ما كانت تنفذ إلى نتيجة متفائلة تزين بضحكة المشاهد أحياناً، وأحياناً أخرى بشعور النشوة الذي يشبه التخدير العاطفي؛ إذ تجعل الجمهور يظهر وكأنه محمي بغباء الشخصية الهزلية وعجزها، فيتصرف بإحساس التفوق، وأيضاً بإحساس التباين. ولم تكن الكوميديا تنتهك نظام المجتمع وقيمه بشكل صارم بل تسمح بالتهكم منه، إذ تحل التناقضات أخيراً بنمط ممتع، ويعود العالم فيجد توازنه، فلا تقوم الكوميديا حينئذ سوى بإعطاء التوهم بأن الأسس الاجتماعية من الممكن أن تكون مهددة، ولكن للضحك والتهكم فقط.
تحدث المتخصصون عن نوع وسط بين التراجيديا والكوميديا وهو التراجيدي كوميدي. وكان يعني كل تراجيديا لها نهاية سعيدة، وتضم التراجيدي والكوميدي في الوقت ذاته. وهو الشكل الذي تطور أكثر في أوربا خلال عصر النهضة وتحول إلى منافس للتراجيديا الكلاسيكية. ويقترب نوعي المأساة والملهاة من بعضهما في (التراجي- كوميديا) Tragicomedy، ذلك أن غير الموضوعي الذي يكون عادة كوميديا، يُعالج بالطريقة الجدية، كما يصبح التراجيدي أخف في المصالح، وهو ما يسمح في النهاية باستدعاء السخرية والعبث والتنافر لتحقيق أهداف (التراجي – كوميديا) Tragicomedy.
عموما، فقد عرفت الدراما مع مرور الزمن وفي مختلف الحقب، خاصة خلال عصر النهضة الأوربية وبعدها، تقسيمات عدة؛ وظهرت على سبيل المثال: دراما الهدف، والدراما التحليلية، والدراما القومية، ودرامات الأفكار، والدراما الإنسانية، والدراما البرجوازية، ودراما الطبقات الوسطى، والدراما التاريخية، والدراما الحياتية، والدراما الدنيوية، والدراما الرعوية، والدرامات الشعبية، والدراما العاطفية، ودرامات عصر النهضة، ودراما العصر (الفيكتوري) Victorie ، وغيرها من أنواع كثيرة… وجميعها تحيل إلى خصائص معينة تحمل علامات لتسميتها أو لعصورها كما أن ثمة دراما الشخصية الواحدة أو (مونودراما )MONOARAMA -، ودراما الشخصين DUODRAMA ثم درامات الشخصيات المزدحمة، والتي تمتلئ بأدوار صامتة PANIOMIME. ويقدم العرض الدرامي في أشكال عدة، من قبيل الدرامات الموسيقية التي تصاحب فيها الموسيقى أو الغناء العرض الفني وتؤديها شخصيات تغنى أو ترقص، والمسرح العرائسي الذي يستبدل الإنسان بالعروسة الخشبية، أو يمثل مع الدمى في آن واحد، والدرامات الاجتماعية، والدرامات الفلسفية التي تبني أفكارها على فكر فلسفي راقي، وغيرها.
إن تاريخ كلمة “دراما” يمتد إلى الحقبة اليونانية، وإلى فكرة (أرسطو) Aristote عن المحاكاة، حيث تبدو الدراما تمثيلا للحياة على خشبة المسرح، وأساسها حدث واقعي أو متخيل، يتم تمثيله بمعنى العمل أو الحركة الفاعلة. ثم ما لبث أن تطور المصطلح في مختلف الحقب التاريخية، وخاصة خلال فترة النهضة الأوربية وبعدها في عصر الأنوار، وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث تفرعت إلى أنواع كثيرة لكنها كلها تدخل ضمن خانة المسرح، ويمكن أن نؤكد على الأساس التمثيلي في مصطلح الدراما لتمييزه عن مختلف الأشكال الأدبية، إذ هي الفن الذي يعيد خلق الأوضاع والعلاقات الإنسانية ويقدمها بصيغة الحاضر الدائمة. ثم ظهرت السينما وبعدها التلفزيون، فانتقلت الدراما إليهما، وظهر مصطلح الدراما التلفزيونية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق