أـ المسرح عبر التاريخ:
انتبه المسرح لأهمية التاريخ، واستطاع صانعوا الأعمال المسرحية التعامل معه بطريقة تمنحه أهمية أخرى عبر كونه نصاً مكتوباً، يحوله إلى نص مرئي متحرك بعيداً عن الخيال الذي تركه في ذهن القارئ أو المستمع للتاريخ، فيجد التاريخ نفسه هنا يتعامل مع متلقٍ يرى ويسمع ويقرأ ويتفاعل ويتذوق، لأن المسرح صار يعتمد بنية تركيبية، تقوم على استدراج الفنون الأخرى، داخل بنيته وهو نقل للواقع الذي يشتمل على هذه الفنون. ”إن التوظيف التاريخي للمسرح يحدث بصورة مقصودة وواعية إذا استعملت فيه أحداث وشخصيات من التراث لنقل أفكار، وتصورات معاصرة. فهو عملية مزج بين الماضي والحاضر في محاولة لإظهار زمن ثالث، وهو أيضا الاستفادة من الخامات التراثية في الأعمال الأدبية، وشحنها برؤى فكرية جديدة، لم تكن موجودة في نصوصها الأصلية”().
شكل التاريخ مادة هامة بالنسبة للمسرحي، الذي يستمد منه موضوعاته وشخصياته وحوادث مسرحيته، فليس صعبا أو مستحيلا أن يكون التاريخ إلهاما وتجربة ومصدرا لعمل مسرحي ما، ولعل الماضي يكون مناسبا أكثر لممارسة العمل الأدبي المسرحي، كلما كان أكثر طواعية بين يدي المؤلف، بسبب أحداث الماضي التي تبلورت على مر الأيام، فاستطاعت أن ترفع عنها الملابسات والتفاصيل، من حيث الدلالات التي يتصيدها الكاتب للوصول إلى الهدف، الذي يرمي إليه من عمله الفني().
بدأ ارتباط المسرح بالتاريخ مع نشأة المسرح ذاته، وخير مثال على ذلك مسرحية الفرس (the persians) للشاعر الإغريقي )أسخيلوس Eschyle (()، دارت وقائعها حول الحرب التي كانت بين الفرس والإغريق، حيث كان هدفها تمجيد (الأثينيين)، والثناء على أعمالهم، وتقديم النصر في لحظة حاسمة كان فيها اندحار الفرس، وإقامة الحرب الإغريقية(). وهي أول مسرحية تاريخية تم استلهام موضوعها من التاريخ الإغريقي().
انتقل الفن المسرحي الإغريقي إلى الرومان الذين لم يعرفوا المسرح آنذاك، حيث اعتمدوا المسرحية اليونانية في جميع خصائصها الفنية. باعتباره فنا غريبا عليهم، فراحوا يتناولون نفس المواضيع التي عالجها المسرح الإغريقي تسهيلا لعملية التأليف المسرحي آنذاك، حيث أسرف الكتاب في حشو عباراتهم بأسماء الآلهة والأساطير دون إبداع خاص منهم، مما يجعل أسماءها ذات مغزى إنساني حقيقي فكانوا يقلدون الأوائل أمثال:)أسخيلوس يوربيدس Euripidise)()، و(صوفوكليس Sophocle)()…ولم يكن التاريخ أو الأساطير قيدا لدى الفنانين …ولكنها مادة معينة لهم() .
اتسمت فترة عصور القرون الوسطى، بترك التراث اليوناني، والإغريقي واستلهام مواضيعهم من الكتاب المقدس (Bible- Texte Sacré)، وحياة )المسيح(Christ ، و)مريم العذراءMarie- Sainte ( مثل مسرحية “الأسرار” (Mystery Play)، وتمثيل قصص الكتاب المقدس كقصة )آدم و حواء(Adam et Eve ومسرحية “آلام المسيح” للشاعر الفرنسي (أرنو جربان Arnout Greban)()، و”مصائب متى” للكاتب الألماني )يوهان سباستيين باخJean- sébastien Bach ). وبعد هذه المرحلة اتجه فن المسرحية نحو النثر حيث كتبت المسرحيات بأسلوب نثري، والتي كانت سبب انتشار مسرحيات تاريخية، فكانت موضوعاتها من الواقع الاجتماعي تعالج الحوادث التاريخية كمسرحيات “هنري الرابع”، و”هنري الخامس” )لوليم شكسبير(William Shakspeare ().
موضوعات كثيرة من تاريخ ملوك انجلترا، عالجها شكسبير فكانت معظم الحوادث في تلك الشخصيات تدور حول نزاعات داخلية وخلافات وخصومات بين النبلاء والتي انتهت في الأخير بحروب داخلية طويلة()، لذلك جعلها مادته الأولية، ونواة مسرحياته حيث ركز كثيرا على الأحداث التاريخية الكبرى. اعتاد كذلك وهو يكتب التاريخ حذف كل العناصر الوصفية والحكايات الصغيرة كما قال: “التاريخ مقطر، نقي من كل شائبة”(). كانت تاريخياته تدور دائما حول الصراع على التاج وبالتالي نجده يركز دائما في مسرحياته على أحداث تاريخية معروفة والتي تتخذ أسماء الملوك عناوينا لها مثل: مسرحية “الملك جون”، “الملك ريتشارد الثاني”، “ريتشارد الثالث” ،”هنري الثالث”، “هنري الرابع”، “هنري الخامس”، “هنري السادس”. ماعدا مسرحية “هنري الثامن”().
مضى المسرح الأوروبي بعيدا في أعماق التاريخ حين أراد أن يتخذ لنفسه مصادر ليستقي منها أدبه كما هو الحال عند الإغريق، بقفزة من ممثل واحد إلى أن أصبحت المنصة تضج بحشد كبير من الممثلين، ثم توالت الجهود فظهرت عدة مدارس فنية واحدة عقب الأخرى، همها بعث الفن المسرحي الكلاسيكي()، بعد أن كانت المسرحيات الأولى تستلهم في بادئ الأمر من الإرث الإغريقي، وبعدها انتقلت إلى فرنسا وارتبط ظهورها بأمثال: )كورني بيير( (Pierre Corneille()، و)جون راسین (Jean Racine()، و)موليير(Moliere ()، وانسلاخ الرومانسية من الكلاسيكية شيئا فشيئا حتى صارت لونا أدبيا منفردا ممیزا، ثم ظهور فنانين آخرين أمثال:)فيكتور هوجو(Victor hugo، و)تشيكوف الروسي( (Tchekhov Anton)، و)إبسن هنريك (Henrik Ibsen، الذي كان أهم العاملين على ظهور الدراما الواقعية المعاصرة، ومن أهم مسرحياته التاريخية: مسرحية “الأدعياء أو المدعون” (The pretenders) التي أشار فيها إلى تاريخ “النرويجين”، و)جورج برنادشو George Bernard Shaw) الذي اختار من التاريخ شخصيتين معروفتين هما:)نابليون(Napoléon و (كليوباترا ( Cleopatra ملكة مصر، فنابليون في مسرحية “رجل الأقدار” ليس إلا قائدا ناجحا نصب له فخ، أما كليوباترا ليست إلا أكثر من فتاة طائشة().
هذه لمحة تاريخية سريعة و موجزة عن توظيف التاريخ في المسرح في كبرى مراحله التاريخية العالمية، بعد أن بدا واضحا مشروع الخروج من المسرحية اليونانية، والبناء الأرسطي، إلى المسرح الروماني، والمسرح الوسيطي، والمسرح الكلاسيكي الجديد، والمسرح الإيطالي، والمسرح الفرنسي، والمسرح الإنجليزي … فماذا عن المسرح العربي؟ ومن هم رواده؟ وماذا كانت أهدافهم في توظيفهم للتاريخ؟
في ظل الهجمة الاستعمارية التي شهدتها البلاد العربية، بدأ البحث عن خيارات ومسارات في ميادين الحياة المختلفة لإيجاد السبيل الأفضل للأمة العربية، للتعبير عن نفسها وهويتها وملامحها الخاصة. فإذا كانت لبنان قد شهدت ميلاد الفن المسرحي في العالم العربي، فإنه في مصر قد قطع أشواطا كبيرة، وتلتها دول المغرب العربي وأخص بالذكر المغرب. لقد ارتبط ظهور المسرحية التاريخية العربية بظهور مارون النقاش()، بمسرحيات مستلهمة موضوعاتها من التاريخ العربي مثل: مسرحية “أبو حسن المغفل” سنة 1850م، والتي أجمع المؤرخون على اعتبارها أول مسرحية عربية مؤلفة، ظل عرضها لسنوات كثيرة معيارًا فريدًا للمسرح العربي، سواء في النص الدرامي، أو في مبادئ الإخراج. أصبح التوجه نحو الأدب المسرحي والمصادر الأدبية للبلاد الأخرى أمرًا معتادًا بالنسبة لأغلب الأشخاص الذين جاءوا بعده. فلم يقم هؤلاء بتعريب الموضوع ونقل مكان الأحداث إلى البلاد العربية فقط، ولم يبدلوا أسماء الشخصيات ويعدلوا النصوص الأصلية فحسب، بل كتبوا على أساسها أعمالًا جديدة تمامًا تستجيب لأهداف وذوق المؤلف والجمهور العربيين(). بهدف البحث عن قالب مسرحي أو حكواتي أو احتفالي أو فرجة مرتجلة.
اتصل المسرح العربي مع تاريخ الأمة و تراثها في محاولات أبي خليل القباني()، بمسرحية “عايدة” بدمشق سنة 1871م، وسواها من الموضوعات الميلودرامية حيث أحرز شعبية أوسع من تلك التي أحرزها النقاش. بعدها ظهرت تجارب أبو الوهاب أبو السعود فقدم مسرحيات مستوحاة من التاريخ مثل مسرحية “وامعتصماه” سنة 1944م. استحضر توفيق الحكيم التاريخ، طوعه لخدمة معاناته وقضاياه المعاصرة في مسرحية “أهل الكهف” سنة 1933م، مقدما مأساة تجسد ما يحيط بالإنسان من كرب حين يخالج عقله الشك مع قلبه المؤمن. وتلاها مؤلفون آخرون أمثال: يعقوب صنوع أو “موليير مصر”()، وعزيز أباظة، بشكل واضح في العقد الأول من القرن العشرين. وبذلك يمثل هؤلاء الرواد البواكير الأولى لظهور المسرح العربي. وتلتها أعمال مسرحية مثل: مسرحية “الحلاج” لصلاح عبد الصبور ومسرحية “سليمان الحلبي” لألفريد فرج من مصر، وغيرها من أعمال مؤلفين آخرين: سعد الله ونوس من سوريا، وعز الدين المدني من تونس، وغسان كنفاني من فلسطين، وعصام محفوظ في لبنان، ويوسف العاني من العراق، ورشيد قسنطيني من الجزائر، ومحمد القري من المغرب، وغيرهم من حملت أعمالهم قدرا من الشروط الفنية().
حقق سليمان الحلبي في مسرحية “لألفريد فرج”، نوع من الموازنة بين الفن والتاريخ حيث نجح في بناء شخصية سليمان الحلبي كبطل تراجيدي أكثر منه تاريخي، إذ رسمها بدقة وعمق، حيث جسد شخصية الفدائي الذي ضحى بنفسه من أجل مصر. جل مسرحيات أحمد شوقي()، اعتمدت على حوادث التاريخ كمادة لها، وهي: “مجنون ليلى”، “الست هدى”، “عنترة”، “البخيلة”، “أميرة الأندلس”، “قمبيز”، “مصرع كليوباترا” و”علي بك الكبير”().
جاء في “جريدة السعادة” بتاريخ الخميس 10 يناير1921م، أنه في بداية الموسم الدراسي 1921م/1922م تأسست “جمعية قدماء ثانوية مولاي إدريس” برئاسة امحمد الزغاري، وكانت تشجع التلاميذ النجباء من أبناء الثانوية وتقدم لهم الجوائز، وتنظم المحاضرات والمسابقات الثقافية، والحفلات المتنوعة وتستقبل ألمع المثقفين، سواء من الأوربيين أو المشارقة أو المغاربة لدى زيارتهم المدينة().
أما نشاط التمثيل لهذه الجمعية، فقد خصص له حيز كبير من اهتمامها ومجهوداتها مما جعل أول أعمالها، تحت عنوان: “صلاح الدين الأيوبي” حدثا ناجحا، وجعلها بالتالي رائدة في إدخال فن المسرح المغربي إلى المغرب، حيث بقيت المسرحية لزمن طويل علامة بارزة في تاريخ الفرقة، وتاريخ الفن بالمغرب، وكذا تاريخ النضال السياسي والاجتماعي للشعب المغربي المتعطش للحرية، بواسطة سلاح الفن والثقافة، فقد ”عملت المسرحية على إذكاء الشعور العربي لدى شعب انقطعت صلته بالشرق الإسلامي، نتيجة لمناورات الاستعمار الذي كان يفرض عليه سياسة التجهيل”().
يعد التاريخ بنية مجاورة للمسرح ويضم سجل الأحداث البشرية والشخصيات المرموقة وما خلفه الانسان من تراث حضاري عبر الأزمنة المنصرمة، وما سطره من ملامح وأساطير وحكايات خرافية وقصص شعبية شكلت هاجساً لتطلعات البشر ضمن سلسلة الأزمنة المتعاقبة في اطارها التاريخي. وعلى رغم كون التاريخ شاهداً على الحياة والعالم، إلا أن المسرح حاول أن يكون الشاهد الجمالي الذي يعيد للتاريخ منطقه، ويكشف عن المعتم أو غير المكتشف فيه. فأين يلتقي المسرح بالتاريخ؟
ب ـ التقاء المسرح بالتاريخ:
إذا كان توظيف التاريخ يعتمد على مدى وعي المثقف لتاريخه من جهة، وعلى وعيه بدوره التاريخي من جهة أخرى، فهل استطاع المبدع المسرحي في توظيفه للتاريخ، أن يعي تماما معطيات العناصر التاريخية المختلفة؟ وأن يعي الواقع الذي يحاول طرحه من خلال العناصر التاريخية المستلهمة في المنتج الإبداعي الجديد؟ وهل مثل هذا الوعي العميق هو الذي يعطي للمسرحية التاريخية قوتها الدلالية والفنية؟ فإذا كان المسرح إبداع يراهن على الخيال لتحقيق الجمال والتأثير، فهل سيصطدم مع التاريخ الذي يراهن على الحقيقة لتحقيق الموضوعية والإقناع؟ ومتى تضيق مساحة حرية التعامل مع التاريخ عند بعضهم، ومتى تتسع عند آخرين؟ وماهي أشكال التقاء المسرح بالتاريخ؟
حوادث وشخصيات في مسرحيات عالمية مشهورة مثل )كليوباترا( عادة ما تكون معروفة لدى المتفرج من قبل، ومع ذلك يقبل على مشاهدتها وهو على علم مسبق بحقائقها التاريخية الكبرى، لأن وقائع الحدث المادي لا تهمهم في المقام الأول بقدر ما يهمهم متابعة الحدث في صورته الفنية، من حيث هو خلق فني جديد لذلك الحدث من أحداث الحياة، وعرض لدلالات جديدة فيه أو الكشف على دلالات كانت له، ولكنها تظل خفية حتى يظهرها فن الكاتب المبدع(). فوجدنا أن )كليوباترا( عند )شكسبير( عاهرة، وعند )برنارد شو( طفلة ليس لها في الحب، أما أحمد شوقي فجعلها تفعل أي شيء من أجل مصر، )فكليوباترا( عند الثلاثة هي كليوباترا، والأحداث واحدة ثابتة، ولكن الذي تغير هو الدافع لدى الشخصية المسرحية من مؤلف إلى آخر، لأن المؤلف ليس مطالبا بتدوين التاريخ، فالتدوين من وظيفة المؤرخين وليس المؤلفين المبدعين، فالمؤلف غايته التي ينشدها هي الخلق وليس التأريخ().
يذكر محمد مندور موقفين: الموقف الأول إنكار حق الأديب تغيير وقائع التاريخ خاصة الكبرى منها…لأن التاريخ ما هو إلا الحياة الماضية، وإنما للأديب الحق في أن يتخير ما يحلو له من وقائع التاريخ، على أن لا يؤدي هذا الاختبار إلى قلب حقائق التاريخ والعبث بمنطقه، كما أن له أن يفسر التاريخ على النحو الذي يهديه إليه إحساسه، وأن يتخير من بواعث الأحداث وخفايا النفوس، ما توحي إليه به الوقائع، وأن يحكم تبعا لهذا التفسير على الشخصيات التاريخية الأحكام التي تتسق مع منطق تفكيره وإحساسه. ومن هنا مثلا )جان دارك( الذي قادت الجيوش وقاومت الاستعمار الانجليزي مقاومة الأبطال، بأنها كانت قديسة طاهرة، بينما يرى فيها البعض الآخر استنادا إلى الوقائع نفسها، ولكن بتفسير آخر أنها كانت فتاة هستيرية مريضة. وأما الموقف الثاني الذي يورده محمد مندور يتمثل في تسليمهم بالحرية المطلقة للأديب إزاء أحداث التاريخ يتصرف فيها كيفما يشاء، ولعل )اسكندر دوماس Alexandre Dumas ( قد عبر عن هذا الاتجاه أقوى تعبير عندما قال: “التاريخ من يعرفه ؟ إن هو إلا مسمار أشحب فيه لوحاتي”، وهو يقصد بذلك تشكيكه الشديد فيما نعتبره يقينا من أحداث التاريخ التي كثيرا ما يضل المؤرخون في الوصول إلى حقائقها وبواعثها الخفية، وهو يقصد ثانيا وترتيبا على ما سبق إلى أن يبيح للأدب حق التصرف كما يشاء في أحداث التاريخ، وفقا لمقتضيات فنه بل ووفقا لما يرمي إليه من أهداف ().
قد تضيق مساحة حرية التعامل مع التاريخ عند بعضهم، وقد تتسع عند آخرين، فإن التساؤل عن التقاء المسرح بالتاريخ هو تساؤل في غاية الأهمية، إذ أن المسرحية التاريخية تقترب من التاريخ، وتبتعد عنه في آن واحد. فهي تقترب منه في الأحداث والمواقف الهامة والشخصيات الرئيسية، وتبتعد عنه في بعض الأحداث والمواقف والشخصيات الثانوية، ومن خلال ذلك يستطيع الكاتب المسرحي أن يخلق تفسيرا جديدا للتاريخ، أو أن يخلق بناء التاريخ من خلال وجهة النظر الفنية. فالمسرحية التاريخية ليست مقصودة لأحداثها أو لسرد شخصياتها المعروفة، ولكن لبيان رموزها والقصد من كتابتها ().
لا تقتصر مهمة الكاتب المسرحي على مسرحة التاريخ وعرضه دون هدف، بل يعمد إلى انتهاج أسلوب الاختيار والعزل في التعامل مع المادة التاريخية، فيختار منها ما يرى أنه صالح لعمله وما يقدر أنه يمكن أن يثير اهتمام المشاهد، وينقل إليه من المعاني والأفكار ما يود كاتب النص أن يعرضه في ذلك الإطار الفني. فإذا اختار الكاتب جانبا من جوانب الحدث الواقعي، عمد إلى التركيز عليه وعزله عن الجوانب الأخرى التي ليست ذات علاقة بتلك المعاني والأفكار، والتي يمكن أن تحجب ما لهذا الحدث من دلالة لو ظلت ملتصقة به أو متداخلة معه كما تتداخل في الواقع(). فأين تكمن حرية الكاتب المسرحي والفنان شريطة المحافظة على الحقيقة التاريخية؟
تكمن حرية الكاتب المسرحي والفنان بشكل عام، في أن يعيد صياغة الحقيقة التاريخية مما يجعلها تحقق الصدق الفني، لكونه يمثل روح الدراما كما هو روح الشعر في كافة فروع الإبداع الفني()، فيختار الشخصية التاريخية، ويقتطع فترة زمنية محددة، بشرط أن تكون هذه الشخصية مكتملة أي منذ توليها الحكم إلى موتها، أو سقوطها مثلا، وعندما يختار الفترة الزمنية يجب أن تكون مكتملة أيضا من حيث الحدث الواحد والزمن الواحد، ثم لا يتعرض لما قبل الشخصية أو ما بعدها، وكذلك بالنسبة للفترة الزمنية. أي يفصل الكاتب الشخصية أو الفترة الزمنية تماما عن كل الارتباطات السابقة واللاحقة لها()، فيعد الصدق الفني أكثر أهمية من الصدق التاريخي، فهو في التاريخ والعلم صدق بالواقع، أما الصدق في الفن، فهو الصدق بالإمكان، الأكثر شمولا والأشد عمقا، لأنه يتناول الحقائق الإنسانية الخالدة، من دوافع خفية، وانبعاثات أصيلة، وانفعالات وعواطف وميول وأهواء ومبادئ، تلتقي جميعا في النفس الإنسانية، وتتفاعل وتتصارع في قالب فني. فما موقف المتلقي من كل هذا الذي هو أنا وأنت؟
يوضع المتلقي داخل فضاء من الجدل بين لحظة آنية بكل عناصرها الجديدة وخطة ماضية في حضورها المستعاد، فعبر التاريخ سيعمل المتلقي ذهنه في الفروق القائمة بين الحاضر والماضي، ويخلص إلى نتائج تمكنه من تجاوز سلبيات حاضره، وصولا إلى واقع أكثر قوة، واستشراقا لمستقبل أكثر إشراقا((. إن الأحداث والشخصيات التي يختارها الكاتب المسرحي قد تكون نفسية أو أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو غير ذلك. فهو يحاول أن يعرضها في بناء متكامل تتحقق فيه السمات الفنية للمسرحية الناجحة، فقد يصبح البطل التاريخي رمزا لمعنى من المعاني الإنسانية، وقد يجد الكاتب في موقف تاريخي يكشف عن حقيقة نفسية باقية، وقد يرى في تحول مصائر بعض الشخصيات، وما انتهت إليه من فواجع تعبيرا عن حقيقة خالدة من حقائق الحياة، فينسج حول هذه الرموز والدلالات والحقائق سياجا فنيا كاملا. وقد يرى الكاتب في حدث من أحداث التاريخ أو شخصية من شخصياته مشابه من أحداث أو شخصيات معاصرة، فيحاول أن يربط بين التاريخ والحاضر، وأن يعبر من خلال الماضي عن بعض القضايا في العصر أو المجتمع الذي يعيش فيه ().
إن توظيف التاريخ في المسرح يتيح الفهم الموضوعي للذاكرة التاريخية، وتفسيرها ضمن سياقات متعددة يمكن من خلالها نقد الحاضر في ضوء معطيات الماضي، ومن خلال أشكال الفرجة المسرحية والظواهر الدرامية يمكن أن يحقق توظيف التاريخ رهان الحداثة والتجديد، التي من شأنها الوقوف في وجه المحاولات الرامية إلى ترسيخ قيم فكرية وفنية وجمالية تتجاوز التقليد والاستنساخ، وذلك بهدف تأسيس حوار نقدي جدلي عبر تعميق ثنائية الأصالة والمعاصرة، و الأنا والآخر، في محاولة لتأصيل المسرح. فكلما ارتقى المؤلف في تعامله مع التاريخ إلى درجة الإتقان اقترب من درجة التوظيف، لأن نقل التاريخ دون الاستفادة منه في حمل هموم المسرحي، وهموم الناس، يعد عملية تسجيل، وتوثيق لهذا التاريخ. إذ يصبح المؤلف في هذه الحالة مؤرخا لا فنانا، ونحن نعلم أن الفنان ليس مؤرخا يتقيد بالأحداث كما هي، بل يتصرف وفق الأحداث التي يتوخاها من عمله الفني، فهو يقوم بمحاولة تصوير التجارب التاريخية الماضية برؤية جديدة مرتبطة بالأحوال الاجتماعية والسياسية التي يعيش فيها كتاب المسرح. فكيف كان المسرح الذي حملته الفرق المسرحية الأوربية والمشرقية للمغرب؟

















