عيد العرش المجيد.. العقد الرمزي بين الدولة والمجتمع

هيئة التحرير
نشرت منذ 3 أشهر يوم 31 يوليو, 2026-0 مشاهدة
عيد العرش المجيد.. العقد الرمزي بين الدولة والمجتمع

عبد اللطيف بوجملة باحث في الاجتماع والفلسفة

عيد استمرارية الدولة

منذ أن بادرت الحركة الوطنية، سنة 1933، إلى إحياء ذكرى جلوس السلطان محمد بن يوسف (الملك محمد الخامس لاحقًا) على العرش، تعبيرًا عن التلاحم بين العرش والشعب في مواجهة نظام الحماية الفرنسية، دأب المغاربة على الاحتفاء بها العيد المؤسس للدولة رسميا بعد صدور قرار وزيري بتاريخ 26 أكتوبر 1934 يقضي بجعل 18 نوفمبر عيدًا سنويًا لتخليد ذكرى اعتلاء السلطان محمد بن يوسف العرش (1934–1961 )، مع تنظيم احتفالات رسمية وشعبية في مختلف المدن المغربية. وتطور تاريخ عيد العرش بعد ذلك على النحو الذي ترسخ بعد هذا التاريخ البدئي، حيث

)،1961-1999أصبح يُحتفل به يوم 3 مارس تاريخ اعتلاء الملك الحسن الثاني العرش (ومنذ 1999 إلى اليوم يُحتفل به يوم 30 يوليوز وهو تاريخ اعتلاء الملك محمد السادس العرش وإلقائه أول خطاب للعرش.

إن استدعاء هذا المعطى التاريخي يؤكد أن عيد العرش لا يُعد مجرد مناسبة ملكية، بل كان أيضًا أداة سياسية للمقاومة الوطنية؛ فقد استعملته الحركة الوطنية لترسيخ شرعية السلطان وتوحيد المغاربة في مواجهة الاستعمار، وهو ما جعل السلطات الاستعمارية تنظر إليه بريبة وتحاول الحد من تأثيره.

إن هذه الأداة السياسية التي تسمها أدبيات الفكر السياسي المعاصر ب “الأعياد المؤسسة”، لا تخلد حدثا عرضيا أو عابرا، بل تجسد لحظة تستمد منها الدولة شرعيتها وتعيد تجديدها رمزيا، كما تعيد إنتاج السردية الوطنية بربطها بين الماضي والحاضر والمستقبل، بل تشكل جوهرة عقد الوظائف الدستورية والسياسية القائمة على الاستمرار والديمومة.

إن عيد العرش هو جماع وظائف أساسية وحاسمة للنظام السياسي الوطني، فهي لا تجدد فقط الشرعية السياسية لنظامنا الملكي، بل تعزز أيضا هويتنا الوطنية وتجمعنا في مدار ذاكرة مشتركة ورمزية متعددة وموحدة تعزز الانتماء الوطني كأهم عناصر الاستقرار المجتمعي، وما طلعت شمس ولا غربت إلا وحب الوطن مقرون بأنفاس مواطنيه ومقرون بالدولة كمؤسسة تاريخية مستمرة عبر الزمن. 

وفي المحصلة يصيغ عيد العرش المجيد العقد الرمزي بين الدولة والمجتمع، حيث تُقدَّم فيها الرؤى الكبرى للدولة، وتُراجع الإنجازات، وتُعلن التوجهات المستقبلية.

إن اللافت في عيد المغاربة السياسي والمجتمعي، إن قارناه بالأعياد النظيرة لدى الدول العريقة، وحتى لدى أشباه الدول التي حشرنا في جوارها، هو أنه لا يؤرخ لتأسيس الدولة المغربية باعتبارها الدولة الأقدم من معظم الدول الحديثة، بل يجسد استمرارية المؤسسة الملكية، تحديدا مؤسسة العرش باعتبارها القلب النابض للدولة عبر القرون، وللك فإن عيد العرش هو عيد مؤسس بكامل المعنى السياسي، وبينما تتغير العصور والأجيال فإن الدولة تستمر.

وبقدر قيام هذه الاستمرارية، رمزيا، على البيعة باعتبارها رابطة تاريخية ودستورية مستمرة بين الملك والأمة، فإنها تقوم على مبدأ وجود هو من جهة صيانة وحدة التراب الوطني ومن جهة ثانية استمرارية المؤسسات ومن جهة ثالثة تجديد الالتزام بالإصلاحات والمشاريع الوطنية كل عام.

ومن حيث التحليل السياسي والفكري فإن المغاربة لا يفخرون فقط بمشترك إنساني، حيث تحتفل كثير من شعوب العالم بأعياد استقلالها وثوراتها، بل علينا أن نفخر بوجه المغايرة والاستثناء المغربي حيث يمثل عيد العرش المجيد عيد استمرارية الدولة، وليس مجرد احتفال بلحظة تأسيس. وهو لا شك نموذج نادر، نسبيا في العالم.

ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار عيد العرش أحد أهم الطقوس السياسية المؤسسة في المغرب؛ فهو يجمع بين البعد التاريخي والدستوري والرمزي، ويعيد كل سنة تأكيد العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويحدد، عبر خطاب العرش، الأولويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية للمرحلة المقبلة.

محطة انتقال في مكانة المغرب الإقليمية والدولية

سياسياً، يمكن النظر الى تدبير الملك محمد السادس، نصره الله، خلال 2025–2026 من خلال خمسة مفاتيح أساسية، تجعل من احتفالات عيد العرش لهذا العام ليس مجرد مناسبة رمزية، بل محطة انتقال في مكانة المملكة الشريفة الإقليمية والدولية، ولاسيما مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية واستمرار التحضير لكأس العالم 2030، وتعزيز الشراكات الدولية، وخاصة مع فرنسا. 

يتمثل المفتاح الأول في ترسيخ قضية الصحراء، حيث شهدت هذه الفترة استمرار اتساع التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وأصبحت فرنسا تنظر إلى العلاقة مع المغرب باعتبارها شراكة استراتيجية طويلة الأمد، مع التحضير لمعاهدة ثنائية غير مسبوقة.

ويتمثل المفتاح الثاني في تنويع التحالفات، اذ حافظ المغرب، بفضل الدبلوماسية الملكية الشاملة، على سياسة الانفتاح على أوروبا والولايات المتحدة والخليج وإفريقيا واسيا وامريكا في الوقت نفسه، بما يقلل من الاعتماد على شريك واحد.

يبرز أيضا مفتاح الاستقرار المؤسسي، اذ بالرغم من اقتراب الانتخابات التشريعية، استمر تنفيذ المشاريع الكبرى دون اضطراب سياسي ملحوظ، وهو عنصر يجذب المستثمرين.

ويبرز المفتاح الاقتصادي حاسما في هذه المقاربة، حيث تظهر جليا محطة انتقال المغرب الى مجتمع صناعي من خلال استمرار تطور الصناعات الموجهة للتصدير، خصوصاً السيارات والطيران والطاقات المتجددة، وهي قطاعات أصبحت تمثل ركيزة للنمو، ومن خلال انتقال التعاون مع فرنسا من مجرد استثمارات إلى مشاريع مشتركة، بمنطق رابح رابح، في الصناعة والطاقة والبنية التحتية، مع توقع توسيع التعاون في الصناعات الدفاعية بشكل لافت.

في المقابل، تبقى التحديات القائمة نظير التشغيل، والفوارق المجالية، والضغط على الموارد المائية، رهينة لمدى استفادة المواطنين من النمو الاقتصادي.

في حين يبرز المفتاح الدبلوماسي، ان الإنجاز الأبرز في هذا الانتقال هو تحول المغرب إلى دولة محورية بين أوروبا وإفريقيا والأطلسي، وليس مجرد شريك في قضايا الهجرة أو الأمن. ويعزز هذا التوجه التهيئة لمعاهدة استراتيجية مغربية فرنسية، هي الأولى من نوعها بين المغرب ودولة أوروبية، بما يهدف إلى تأطير العلاقة لعقود مقبلة.

أن السؤال الأكثر أهمية لم يعد: هل نجح المغرب في تعزيز موقعه الدولي؟ بل أصبح: هل سيتمكن من تحويل هذا الرصيد الدبلوماسي إلى عقد اقتصادي واجتماعي جديد يشعر المواطن بآثاره؟

فإذا نجحت الدولة في ربط الشراكات الدولية بخلق فرص الشغل، ونقل التكنولوجيا، وتحسين الخدمات العمومية، فقد تُسجل الفترة 2025–2026 كنقطة تحول استراتيجية. أما إذا بقيت المكاسب محصورة في المستوى الجيوسياسي، فسيظل التحدي الداخلي هو الاختبار الحقيقي لنجاح هذه المرحلة.

مؤشرات على عقد اقتصادي جديد

ان المتتبع الموضوعي للشؤون المغربية يمكن ان يرصد جملة من المؤشرات تدل على دخول المغرب في عقد اجتماعي جديد من خلال الإشارات البارزة التالية:

أولها الانتقال من الاستثمار إلى التصنيع، حيث لم يعد المغرب يجذب الرساميل فقط، بل يسعى إلى أن يصبح مركزاً للإنتاج والتصدير في السيارات والطيران والبطاريات والطاقات المتجددة.

وثانيها اقتصاد الطاقة، حيث تبرز مشاريع الهيدروجين الأخضر، والطاقات الشمسية والريحية، وأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، وهي مشاريع قد تجعل الطاقة إحدى ركائز الاقتصاد خلال العقد المقبل إذا اكتملت وفق المخطط، مما يسهل اللحاق بجنوب اوروبا

 وثالثها التحضير لكأس العالم 2030 ، من خلال  برنامج استثماري واسع وطموح يشمل النقل، والمطارات، والفنادق، والبنية التحتية، والتحول الرقمي..

ورابع الإشارات هو إعادة تموضع الشركاء الدوليين، فإذا تطورت الشراكة مع فرنسا إلى معاهدة استراتيجية، بالتوازي مع استمرار التعاون مع الولايات المتحدة وإسبانيا ودول الخليج والصين، فسيكون المغرب قد وسع قاعدة شركائه بدل الاعتماد على طرف واحد

والإشارة الأخيرة هي المرتبطة بهبة الجغرافيا وهي الموقع الأطلسي، اذ يلاحظ

وجود توجه متزايد وحثيث لربط موانئ المغرب، وعلى رأسها طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي، والناظور، بسلاسل التجارة العالمية، بما يعزز دور المملكة كبوابة بين أوروبا وإفريقيا والأميركتين.

ويكمن التحدي الحقيقي في ان تضاعف المملكة الشريفة تأثير هذا العقد على الرأسمال الاجتماعي، اذ يقاس نجاح أي عقد اقتصادي على المستوى الاجتماعي بمدى تأثيره وانعكاسه من خلال مؤشرات اجتماعية ملموسة نظير خفض معدلات البطالة، خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات، ونظير رفع متوسط الأجور الفعلي بما يسمح بتجاوز التضخم، ناهيك عن تقليص الفوارق المجالية بين المدن والبوادي الشاسعة والمعزولة.

كما يقاس نجاح تأثير هذا العقد على الرأسمال الاجتماعي، أساسا وجوهريا، بتحسين

جودة التعليم والتكوين المهني لربطهما بحاجيات الاقتصاد الجديد، بتعزيز منظومة الصحة والحماية الاجتماعية، مع التشديد على خلق شروط موضوعية لنمو الطبقة الوسطى، وليس فقط ارتفاع الناتج الداخلي الخام.

وما من معيار سيحدد نجاح مرحلة بناء المكانة الدولية غير معيار النجاح في اختبار قدرة المغرب على تحويل هذه المكانة إلى تنمية اقتصادية واجتماعية يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وتمكن المغرب من التحول فعليا الى اقتصاد صاعد وناجح في تحويل الشراكات الدولية إلى نقل للتكنولوجيا، وتصنيع محلي، وفرص شغل ذات قيمة مضافة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق