مقامات فاس: المقامة”البوهلالية”في مطالع السير المرضية، بين نضال المحبرة والنقابة، وإِشعاعِ الإِعلام والخطابة


حدثنا الراوي كاتب هذه المقامة، ومتتبع مسالك الأخبار وسيَر الأخيار، والكاشف عن مخبوء فاس من الدفائن، ومستخرج عقائلَ الحقائق والمفاتن؛ ليبثها في الناس بنسق أنيق، وترتيب بليغٍ رقيق، فتغدو للبيب عبرة وهداية، وللخلف تذكرة ووقاية، لئلّا تطويها عاديات النسيان، أو يذهب برسمها الزمان، فتبقى شواهد الفضل مسطورة في الطروس، ومحفوظةً من العفاء في الصدور والنفوس، فقال: كان مولد محمد بوهلال، ومستقر أول خطوه، في دار جده، ذي الفخر والمجد والحمد، الحاج المعطي بوهلال، الغني عن المقال، بحومة كرنيز الدانية من فاس البهية، في أخريات السنين الأربعينية الخالية، فكان جنينا عاصيا في الخروج، مستعصيا على الولوج، حتى أشرفت الوالدة على الهلاك، وكادت الروح تبلغ السماك، لولا أن تداركها باللطف الالهي طبيب من الروم يدعى جوليان، بصير بالأدواء وفنون الزمان، فعالج عسر الوضع بالرفق والبيان، وأنقذ الأم من موت محقق الأوان، فلما خرج إلى الوجود، واستقبل طوالع الجد والوجود، تهللت الوجوه واستهلت، وعمت البهجة الأهل واستقلت، وعلت زغاريد النساء البواهر، تملأ الساحات والمحاضر، فربا في حجر عائلته الصغيرة، ذوي السير الحميدة والسريرة، يكفل بين أب بر ومروءة، وأم حنون مبروءة، يكتنفه عماه المحمد وبنسالم والآل، في أرغد عيش وأنعم حال، وكانت تقطن بالدار عمته الفقيهة الزاكية، الحافظة للآي المرحومة الحاجة غيثة الصافية، ومعهم آل السقاط ذوو العفة والبيان، ثلاث من الغواني الحسان، وابنان هما محمد والفنان المبدع عبد الرحيم ذو الأثر الرنان. وكانت الدار، على نسق مآثر الحاضرة والديار، تشتمل على طبقتين وثيقتي البناء، في كل طبقة ثلاث مقاصير فسيحة الأرجاء، تتوسطهما غرفتان أعدتا لخزن الأقوات، وادخار ما تيسر للسنوات. وتتوسط الفناء الفسيح نافورة من الرخام، ينبجس منها ماء وادي الجواهر بانتظام، وتقابلها سقاية من الفسيفساء الزاهي الألوان، تتدفق من أنابيبها المياه العذبة كالألحان، فتحدث خريرا شجيا، يتناغم مع مياه النافورة تناغما عليا، كلفا بالنقوش الخشبية في السقوف، والقبب الملونة المرصوفة في الصفوف، مما أبدعته أكف الصناع التقليديين الحذاق، مع رقوش الجبص البديعة التي تبهر الأحداق.

واعلم أن لهذا البيت العتيق، والمصون الوثيق، نبأ يرويه الأسلاف للأعقاب، وتتوارثه الأجيال من ذوي الأنساب، سلالة المرحوم الحاج المعطي بوهلال، الغني بفضله عن المقال، باني هذا الصرح المشيد، والحصن العتيد، في أواخر العصر المريني السعيد، عام واحد وعشرين ومائتين وألف من الهجرة. وكان الجد رجلاً ذا ثروة ويسار، وممن يشار إليه بالبنان في تلك الديار؛ فكان إبان البناء والتشييد، ينفق ناضر ماله في الخير والتمجيد، ويتصدق في كل يوم بمقدار ما يبذله في شراء الموانع والعتاد، وأجور البنائين وأهل الجهاد، فلما رأى الأبناء كثرة نواله، وظنوا أنه يتلف تالد أمواله، فذهبوا إلى خُلصائه وخلانه، وطلبوا منهم كفه عن تبديد حُطامه وأزمانه؛ فكان جوابه الحكيم، المنبئ عن عقل سليم:”أنا أبني لهم دارهم في الدنيا الفانية، وأبني داري في الآخرة الباقية” فلما استوى بناؤها الشامخ، واستقر أساسها الراسخ، جعلها وقفا محبسا على سلالته من الذكور، ولعل هذا الصنيع المبرور، هو ما جعل الدار صامدة أمام عوادي الأزمان، وحامية لأهلها من عسف الحدثان .وكان والده رحمه الله محترفا لصناعة “الدراز”، ولم يكن يرى في التعليم من حظ أو مجاز؛ فلما بلغ الغلام خمس حجج من عمره، عزم على تلقينه الصنعة وإقحامه في أمره، بيد أن عمته الحاجة غيثة ذات الحجا والكمال، أبت إلا أن ينهل من العلم كبقية الآل. فلما رأت من الوالد امتناعا واعتياصا، جعلت له من بناتها فاطمة وبديعة ملاذاً وخلاصا، فأشرفتا على تعليمه في المنزل المصون، فما أسرع أن حذق القراءة والكتابة والحساب بذهن مأمون، وأمام هذا النبوغ المبين، أذعن الوالد ورضي بمتابعة التعليم، فولج إحدى المدارس الحرة التي أنشأها الوطنيون الأباة، صيانةً للغة العربية الواقية، وحفظاً للعادات المغربية الباقية؛ فكان مقرها بمدرسة الفقيه أكومي بزنيقة الرطل المعمورة، حيث تسلع بالعلم على يد أساطين مشهورة، في طليعتهم الأستاذ اليوسفي البارع في الرياضة والميدان، إذ شكل من تلامذة القسم الخامس فريقاً ذا ائتمان، واختص بتدريبهم في العطل والجمع، على كرتي الطائرة والسلة بملعب المرنيسي المتسع.

كان الطفل محمد بوهلال يحل إبان القيظ والطلة، وحلول العطلة، بدار المناضل الصنديد، والشاعر المجيد، المرحوم محمد الوديع الآسفي، ذو اللفظ الشافي والمجد الوافي، تصحبه حليلته ثريا السقاط، ابنة عمته الحاجة غيثة ذات الفضل والاشتراط، صاحبة التقييد الموسوم بـ “قضبان ومناديل”، الدال على الصبر والتبجيل. وكان يرافقهما نجلاهما الصغيران، صلاح وعزيز الذكيان. فكان (محمد الوديع الآسفي) رحمه الله يغدو كل صباح شطر الجوطية والأسواق، فيبتاع ما طاب ولذ من اللحوم والغداق، فضلا عن الفواكه الغزيرة، والخضر النضيرة، فتعمد العمة وبناتها الأكياس، إلى طبخ الطعام بنسق وإيناس. وكان يصر بغاية المراد، على جمع شمل الآل والأولاد، ليتناولوا معه طعام الغذاء والعشاء، فيحدثهم في ذلك الفناء، عن غصص المناضلين في غياهب السجون، وتعسف الفرنسيين ذوي الشجون، ممن كانوا يرومون فكاك المغرب الحبيب، وعودة الملك محمد الخامس الرشيد، آملين في نيل الاستقلال والحرية، وتكريس مبادئ الديمقراطية. فكان الغلام كلفا بحديثه الرائق، يلقي إليه السمع بالحقائق، ليرتوي من معين الوطنية الفذة، وينشأ على الشيم والخلال المستلذة.

قال الراوي: ثم إنه محمد بوهلال اقتفى أثر التبيان، فتابعَ دِراسته بإعدادية بنكيران، الكائنةِ بعدوة الأندلس من الحاضرة الفاسية العتيقة، والدانيةِ من جامع الأندلس ذي الأنوار الوثيقة، (للمدرسة بابانِ يُقصدان؛ أولهما شطْر السويقة يبين، والآخر داخل درب بنكيران مَكين)، وفي هذه الرحاب النَضرة، تجلت عليه بوادر المَحبرة، ومال طبعه المأمون إلى جزل اللفظ المصون، وصياغة الجمل الناصعة، فظهرت عليه مخايل المكنة والكتابة البارعة، وصار في مضاميرِ البيانِ من الفرسان أولي العيان. ولما ظفر بشهادة الباكلوريا من ثانوية القرويين بفاس عام ألف وتسعمائة وإحدى وستين، ورام الالتحاق بالأسلاك التعليمية، لم يكن في ذلك الزمان بحاجة إلى اجتياز مباراة والامتحان، ليلج سلك التعليم ويفوز بالرِهان؛ وذلك لشدة عوز المدارس المغربية، وحاجتها الملحة إلى أطر تربوية، لتثقّيف عقول الناشئة بالرشاد، وتنقذ الأبناء من جهالة العباد؛ فولج الميدان الشريف بغير عناء، ليكون من حماة الفضل والعلم والثناء، وناوله رئيس المكتب التربوي تعيينه بمجموعة مدارس بن عبد الله، فطار لبه فرحاً بفضل الله، وظنها على غرار مؤسسة بن عبد الله الحرة بفاس المعمورة، فاستبشر بالمنزلة المذكورة، ولما هم بمغادرة النيابة والإدارة، أشار عليه المسؤول الإداري بالتوجه صوب حامة مولاي يعقوب المأثورة، حيث مركز المجموعة والعمادة، فلما انتهى إلى المدير واستقبله بقرى العبادة، أخبره أن المدرسة في مجاهل الفيافي والناحية، فصدم من هذه النازلة الضاحية، واعتراه حزن شديد الأوصاب، لأنه لم يطأ البادية قط في سالف الأحقاب، ونصحه المدير بطلب الاستزادة من العلم في المدارس، وترك هذه المؤسسة خالية الدوارس، بيد أن صروف عائلته والاحتياج، جعلته يقبل الواقع بالامتثال واضطرار المحتاج.

فحمل ما خف من الأثاث والمتاع، وركب الحافلة في اتجاه قبيلة الأوداية ذات الاتساع، حيث تقع المدرسة النائية، وكان ذٰلك في شهر نونبر من عام واحد وستين وتسعمائة وألف للميلاد، في فصل الخريف ذي الرياح العاصفات بالعداد، فحطت به الحافلة عند الساعة العاشرة صباحاً، قرب قنطرة سبو موافقاً حظاً لزاماً، فلم يجد أحدا من الآهلين في انتظاره، كما كان مفروضاً في طالع نهاره. وكانت السماءُ مكدرةً بالغمام، والرياح تولول وتصفر في الأكام، ولا يسمع في ذلك الخلاء المقفر، سوى هدير مياه نهر سبو المستعر، فظل يرتقب الوافد والآيب، وينتظر الذي يأتي والذي يغيب، حتى جنحت الشمسُ للغروب والزوال، وتأذن النهار بالارتحال، فداهمه خوف شديد المكْمن، إذ وجد نفسه وحيدا في فضاء مقفر لا يؤمّن، وكاد أن يقطع رجاءه من البشر والخلان، لولا أن تراءى له من بعيد إنسان، يسوق دابةً في المسير، ويتجه نحوي بجدّ وتشمير، فلما بلغ موقفه وحلَ بساحته، سأله مستفهماً عن هويته: “أأنت المعلم الجديد المرتجى؟”، فقال: “نعم، أنا هو ومن الغرق نجا”، فاعتذر الرجل عن الإبطاء والتأخر المشهود، مبيناً أن أهل الدار والجدود، كانوا بجمعهم وعامتهم في كدّ ونصب، مشغلين بالحرث وزراعة الأرض لمحاربة الجدب.

تنهد الراوي وأخذ شربة ماء وقال: تناول الرجل من الفتى أحماله، وأركبه على ظهر البغل خلفه؛ فداخله الوجل من السقوط، لقلة دربته في امتطاء الدواب، فسكّن الرجل روعه، وطمأن فزعه، ثم سارا في مسالك الفيافي، وسط الحقول الجرداء القوافي، زهاء ساعتين من الزمان، حتى حلا بدوار الشيخ العربي، فتعجب محمد بوهلال لما رأى منازل غير مشيدة، ولا طرقا معبدة، لقيه شيخ طاعن في السن، فأرشده إلى المدرسة ذات العطن؛ فإذا هي مكوّنة من كوخين بائسين، أحدهما للتدريس والآخر لمسكن المعلمين، فاستسقى الفتى شربة ماء، فنادى الشيخ ابنه من العراء، فأقبل يحمل قلة فيها من ماء سبو الكدر، ما يحاكي في لونه مياه نافورة داره إذا عكر، فقال الفتى محمد بعفوية وغرار: “أما عندكم في هذا القفر سقاية ومدرار؟”، فقهقه الشيخ وقال بلسان المبين: “اشرب يا بني وسمّ الله المتين، فإنها البادية الخلاء، لا ماء فيها ولا ضياء، ولا شيء من أسباب النعيم والبقاء”. ثم استرشده الفتى عن موضع الخلاء والمرحاض، فضحك الشيخ ثانية وقال باستعراض: “أتبصر هذا الفضاء الممتد؟ إنه كله مرحاض لمن اشتد، فاقض حاجتك ولا تتردد”. فحمد الفتى الله وأثنى عليه، وشمر عن ساعد الجد فيما وُكل إليه؛ فبادر إلى تنظيف الكوخين بجهد حثيث، وزين كوخ التدريس بصور أتى بها من الموروث، وصف وسائل الإيضاح في زاوية المكان، فلما أشرق الغد، استقبل الصبية واجتهد، وأخلص في تلقينهم ما هم بحاجة إليه، وسرعان ما ألف أولئك الأقوام الطيبي الأرومة، وبكرور الأيام، تبدل حاله في ذاك المقام؛ إذ لامس معاناة السكان، وعوزهم لأبسط حقوق المعيشة والانسان، فبات يكد ذهنه في حيلة لتبديل حالهم المزرية، متسائلا عن الجاني في هذه الرزية، التي لا تليق بالبرية. ولما حلّت العطلة الربيعية، شد الرحال شطر فاس البهية، لزيارة الأهل وترويح النفس الشقية، فكانت سانحة أن حضر مجلسا نقابيا، بمقر الاتحاد المغربي للشغل، فلما قفل راجعا إلى مقر عمله، ابتاع مذياعا يؤنسه في خلوته وأمله؛ ليلتقط به الأخبار، وبرامج الثقافة والأشعار. فجعل أهل البلد الطيبون، حوله في المساء يلتفون، منبهرين بأنغام العيطة وصنوف الغناء، وما يلقى من أنباء؛ فكان يفسر لهم ما استغلق من البيان، ويضيف من عنده ما يساعدهم على بلوغ الأمان.

واظب محمد بوهلال على شهود المحافل النقابية، ومباحثة قضايا الشغيلة التعليمية، فانخرط في سلك العمل النقابي بجد واعتبار، حتى انتخب في المكتب المحلي للنقابة الوطنية بقرار، التابعة للاتحاد المغربي للشغل ذي الانتشار؛ فغدا من أنشط النقابيين في ذاك المضمار، ثم سُمي عضوا في اللجنة الإدارية، مكلفا بالاستقطاب والتأطير في فاس العلية، فأضحى بذلك من خاصة المحجوب بن الصديق، الكاتب العام للنقابة ذي القدر العتيق. عندما استبان نجاح الفتى في الميدان النقابي وظهر، وفشا ذكرُه في المحافلِ واشتهر، أعانه مديُ المجموعة المدرسية بجميل صنيعه، وعمد إلى نقله إلى مركز حامة مولاي يعقوبَ بجميعِ رفيعه؛ وهي حامّةٌ موصوفةٌ بمياهها المعدنية الشافية، ومنقوصةٌ بما شاعَ فيها من الرذائل الفاشية، من مخلفات الاستعمار البادية، فألقى هذا النقل على عاتقه جليل التَبِعات، ومسؤوليةَ التأطير والتلقين في تلكم العرصات، قاهرا للفقر المادي والجهل الفكري المستحوذ على الأنام، وباعثا لروح الوعيِ في ذلك المقام. وفي عام ثمانية وسبعين وتسعمائة وألف، تأسست الكنفدراليةُ الديمقراطيةُ للشغلِ العتيدة، لتكون بديلا ديمقراطيا يكسر طوق البيروقراطية النقابية المديدة، فكان خطاب قائدها المأسوف عليه الأموي، يتناغم مع ما يعتلج في صدر محمد بوهلال من الغم على الوضع البلوي، كمواطنٍ خبر بؤس الطبقات المستضعفة الشقية، سواء في مجاهل البادية أو في رحاب فاس المدنية، وكان القمع مسلطا على المناضلين من أهل اليسار، وظروف المعيشة آخذةً بالضيقِ والإعسار؛ حيث عم الغلاء الفاحش في الأسواق، وتفشت البطالةُ الكاسدة بين الرفاق، ثم زادت وزارة التعليم الطين بِلة، بأن قصرت العطلةَ الصيفيةَ على شهرين بقلة، بعد أن كانت ثلاثةَ أشهر كاملةَ العِدة؛ فعلى إثر ذلك دعت نقابةُ الاتحادِ المغربي للشغل لإضراب عام في القطاع، دفعا لهذا الحيف والانتزاع. وفي تلك الحقبة العصيبة المحصورة، وجه الملك الراحل الحسن الثاني خطبةً مشهورة، إلى أسرة التعليمِأجمعين، ومما جرى به لسانه: “أنا ليس عندي مثقفون، وإنما هم أنصاف مثقفين يعبثون”.

فلما انعقد الجمع العام التعبوي بدار الاتحاد، وغص المقر برجال ونساء التعليم من كل واد، تداول ممثلو النقابات الكلمةَ بالبيان، شارحين أسباب الإضراب العام وأوان الامتحان. ثم فتح باب النقاش والمحاورة، فلم يجسر أحد من الحاضرين على المناورة؛ لكون المقر مطوقا برجال الأمن والعسس، مخافةَ الفتنة والوكَس. فبادر محمد بوهلال وأخذ زمام المقال، بحماس منقطعِ النظير ومنهمر السجال، والدموع تسيل من مآقيه شؤونا، فتحدث عن مآسي الطبقات المسحوقة شجونا، وما يلقاه المناضلون من ظلم وتنكيل، وانتقد بلسان صارم ما ورد في الخطاب الملكيِ من تقليل، فصفق الجمع لجرأته ونداه، وانطلقت الألسن من عقلها تبغي مداه، وأجمعوا على تكليفه بقيادة الإضراب وإنجاح مراميه ومسعاه. بيد أن الإخلاف أسرع من الوفاء، إذ عقد المسؤولون الكبار في الخفاء، اجتماعا سريا مع أهل الوزارة والحل، وقرروا إلغاء الإضراب وعقد الصلحِ الأقل. غير أن المكتب المحلي رفض الإذعان، وواصل التعبئةَ في كل مكان، فجاء الإضراب ناجحا وافرا، وبقياس مائة في المائة ظاهرا. وفي اليوم الموالي لهذه الملحمة، اتصل قادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمحمد بوهلال، ومسؤولو الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، طالبين منه الالتحاق بالركب وحمى الحماة، فلبى دعوتهم وانخرط في سلكهم بغير أناة، واصل محمد بوهلال نضاله بذكاء وانتظام، في حزب القوات الشعبية للقوات في انتظار ما ستجود به الأيام، والنقابة الوطنية للتعليم ذات الصولة، ظلت الحال الاقتصادية في هبوط ولا حولة، ولم تنل المعاهد والمدارس نصيبا من الاصلاح، بقيت تتخبط في الفشل والاتراح، وازاء هذا الضيم المستطير، أعلنت بلسان النذير، عن اضراب عام شامل في البلاد، يومي العاشر والحادي عشر من شهر أبريل لعام تسعة وسبعين وتسعمائة وألف بالعداد، فانخرط فيه بقلب وثاب وحماس كبير، حيث اطر محفلا تعبويا في دار احدى الاستاذات بحسن تدبير، وألقى خطبا رنانة في مقر النقابة تزلزل العقول، واصفا حال المؤسسات المزرية بلسان مسؤول، حاثا رجال التعليم ونساءه على ركوب الاضراب، ومقاومة الجور والاوصاب. فجلب عليه هذا الصنيع الجريء المساءلة والمحنة، واستدعي للاستنطاق بمخفر الشرطة واهل الفتنة، ولولا ان تداركه اللطف بالافراج والفسحة، بتدخل من العميد “ف” ابن خالته ذي المنحة، لكان من الهالكين؛ بيد أنه أطلق سراحه وعاد حرا أمين، في حين اعتقل عُصبة من رجال التعليم والبريد والصحة الأخيار، وأوقف المئات من مناضلي النقابة عن الشغل والديار.

وفي عام ثمانين وتسعمائة وألف، غدا محمد بوهلال مراسلا لجريدة “المحرر” الغراء، ثم لجريدة “الاتحاد الاشتراكي” ذائعة الأنباء، مقرنا هذا العمل الشريف بواجبه التربوي السليم، في المدرسة التطبيقية ابن طفيل بالمدينة الجديدة لفاس، ثم قدمه الرفاق للأمانة والرياسة، فانتخب لفترتين متواليتين على أهل الكياسة، كاتبا عاما للفرع الجهوي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية بفاس العلية، فتميزت حقبته بأنشطة مكثفة ومجالس فعلية، في مضمار التكوين والتأهيل، إذ أقام ورشات في فنون الكتابة والترسيل، واستضاف جهابذة من الشخصيات الوازنة والإعلام، وقاد اضرابات قطاعية بحسن انتظام، محققا نصرا مؤزرا لصحافيي الاذاعة الجهوية بفاس الدار، حتى نالوا كامل حقوقهم ومطالبهم بغير استصغار. فلما هلّ عام ثلاثة وثمانين وتسعمائة وألف، تبدل العسر باليسار، وحدث انفراج سياسي في الديار، فأُفرج عن عصبة من الأباة المناضلين، ودخل الاتحاد الاشتراكي غمار منافسة الناخبين، في المجالس الجماعية والبرلمانية ذات الشأن، فاكتسح الاتحاديون مجلس فاس بفضل وعيان، وكان محمد بوهلال من جملة الفائزين الأعلام، فأبلى في الميدان الجماعي أحسن قيام، وحققت جل المطالب المرجوة لساكنة دواوير طريق عين الشقف الترابية، وخاصة جلب المياه والأنوار والمجاري الصحية، فالتحمت بالرعية التحاما وثيق العرى، وكان لهم ظهيرا في كل ما ناب وجرى. وفي عام أربعة وتسعين وتسعمائة وألف، أنشأ بوهلال جريدة “صدى فاس” الغراء، فساهم في تحرير طروسها خيرة الأدباء والعلماء، في طليعتهم الراحلان، المسرحي محمد الكغاط ذو التبيان، والروائي الشاعر المهدي حاضي الحيماني البارع في الزمان، وبصحبة الدكتور محمد السرغيني شافاه الله وعافاه، والإعلامي المتألق عبد السلام الزروالي فيما رواه، والناقد الأدبي محمد السعيدي، والقاص الشاعر إدريس واغيش ذي اللفظ السديد، وعزيز باكوش وإدريس العادل أولي الرشاد؛ فنالت الجريدة حظا وافرا من الإقبال، وغدت نموذجا للإعلام الجهوي الجاد في المقال.

وإشعاعا للمجال الثقافي في المعاهد، أسس محمد بوهلال صالون “إيريس” الأدبي الماجد، فكان محجا للمثقفين والصحافيين وأهل السياسة، يجتمعون فيه للسمر ومباحثة المسائل بكياسة، واستقبل الصالون رجالات وازنة من أهل النضال والأنباء، في مقدمتهم التقدمي الراحل شمعون ليفي ذو البهاء، وحميد شباط، ومحمد جوهر، ويونس مجاهد الأباة، فضلا عن وفود من تونس وفرنسا من كرام الضيوف والولاة، وإلى جانب اهتمامه بالإعلام والسياسة، فقد عكف محمد بوهلال في أخريات الأيام على صياغة الرواية وبنائها، فأصدرت ثلاثا من العرائس في بهائها، أولاها “في الضفة الأخرى” البهية، ثم “أوراق من شجرة الحياة” الذكية، وأخيرا رواية “أحلام منكسرة” الشجية. ونظرا لما أسداه من الخدمات الحسان، فقد احتفل به أهل الفضل والعرفان في عدة معاهد ومؤسسات، منها جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس ذات المكرمات، والجمعية المغربية لناشري الصحف البناة، ومعهد صروح للثقافة والإبداع. ورغم أنه جاوز سبعين حجة من العمر المديد، إلا أنه ما زال يجد حيوية الشباب تسري في الوريد؛ فيهب من مرقده بكورا، ويمارس رياضة المشي نشيطا مسرورا، في شارع بدر تحت ظلال أشجار الأترنج العبقة، وسعف النخيل الباسقة، مستمتعا بالحدائق الغناء المحيطة بالأرجاء، وبعد تناول طعام الفطور الخفيف، يلج مكتبه ليمارس طقوس المطالعة والتأليف، مستنيرا بخيرة الصحافة والأدب بغير اكتفاء.

وقال الراوي وقد أشرف على اختتام كلامه: واعلم أن محمد بوهلال يُعد من قيدومي أهل الإعلام بحاضرة فاس الجلية، ومن أساطين الأقلام وذوي السير الذكية؛ فكم واكب من ناشئة الشباب ورعاهم بفضله، وتعهدهم بالنُصحِ والبيان من نبله، وكان لكاتب هذه المقامة خير معين وسند، وأقرب ملاذ في الشدة والكمد. لقد كان للثقافة والفن الراقي عمادا وعونا، ولأهل الإبداعِ معينا مأمونا وصونا؛ فهو المؤازر الشهم عند النوازل والخطوب، والصديق الودود الذي تألفه القلوب، يوزع الابتسامات على الرفاق، ويبعث الأمل في النفوس والأحداق، ناصع السريرة لا يعرف الملل، ثابت العقيدة في نصرة الحقِ والعمل؛ فهو رجل المواقف بغير مراء، والمشيد ذكره في مجالس الفضلاء والأدباء.












