رسالة وداع إلى الفيلسوف ادغار موران …القدس العربي اليوم

azziz bakouch.
نشرت منذ 5 أشهر يوم 5 يونيو, 2026-5 مشاهدة
بواسطة azziz bakouch.
رسالة وداع إلى الفيلسوف ادغار موران …القدس العربي اليوم

شيء بإمكانه أن يبدد غيوم حزني من أجل أن ابتهج بالضياء في هذا الفجر، الذي يوشك على نهايته، سوى ذكرى تلك اللحظات المدهشة التي قضيتها معك، فمنذ اليوم الذي انتظرتك في مطار فاس رفقة المستشار الثقافي للسفارة الفرنسية، حيث ربيع الفلسفة في فاس اشهى من فصل الربيع، وأنا أجمع بعناية لحظة ثم لحظة كمن ينقب عن الذهب، فليس بوسع الإنسان أن يقدر عظمة اللقاء بك إلا إذا كان فيلسوفا، وأي شيء باستطاعته أن يمتعنا معا إنه شيء واحد، وواحد فقط: الفلسفة، هي ما يجعل الحياة سعيدة وممتعة، بطرد جميع الآراء الزائفة وتطهير الروح من الشر والكراهية والحقد، وتحكم  عليها بالابتهاج والفرح المطلق.
كان الحوار معك عميقا ولذيذا، حيث كنت أفضل الصمت والاستماع إلى حكمتك والتفت أتملى وجه طبيبتي وقد عادت إليّ نشوتي وثبتّ عيني عليها، فعرفت فيها مربيتي التي نشأت في بيتها منذ شبابي – الفلسفة «إن الحياة التي لا تخضع للفلسفة هي حياة لا تستحق أن تعاش» كما قال معلمنا سقراط.
وبمجرد ما وصلنا إلى قصر المؤتمرات، كان عشاق الحكمة في انتظارك ولم نتمكن من الاختفاء ونفتح باب الإنصات لمحبة الحكمة، بل كان الكل يريد أخذ صورة معك وكثرة الصور والزمن لا يرحم والتمسنا منهم تأجيل حفل الصور إلى حفل شاي وتوقيع كتبك .
بدأت المحاضرة بسؤال وجودي، هل يمكن أن نعيش من دون فلسفة؟ وهل يمكن أن نوجد من دون عقل؟ فجاءت حكمتك لتقول «إنما العقل وحده هو ما يجعل الحياة سعيدة وممتعة، ولعلها هي الحياة التي نعيشها في حوض البحر المتوسط. هكذا قمت بتحليل مفهوم ميديتيراني méditerranée ب Nouistra madré، بمعنى أننا كشعوب هذا الحوض، وبما أن أصلنا يعود إلى أم واحدة، فإن ما يميز حضارتنا: العقل والفلسفة .الفيلسوف في الحياة زمانه لحظة، ووجوده في انسياب وفكره في ضباب، ومصيره غامض، ومجده غير متيقن، لكن أدركت كيف كان الطلبة والأساتذة وعشاق الفلسفة يحاصرونك خوفا من أن تهرب وتتركهم يواجهون قدرهم الحزين، واستمرت أسئلة الفلسفة وأجوبتكم ساعات، وكنت تشعر بالإرهاق، ولذلك طلبنا منهم أن يتجدد اللقاء في الغد، مثل سقراط الذي لا يؤمن بنهاية الحوار الفلسفي، ولذلك كان يتفق مع محاوره على الاستمرار غدا حتى في لحظاته الأخيرة، فبعد تجرعه للسم قال لهم نلتقي غدا، فهل فعلت الشيء نفسه معنا؟ وهل اللقاء ما زال ممكنا؟ .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق