احتضن المركب الثقافي محمد الزفزاف بمدينة الدار البيضاء، خلال الفترة الممتدة ما بين 22 و26 أبريل الماضي، فعاليات الدورة الثانية من المهرجان الدولي للسينما والمساواة، تحت شعار: “الكاميرا في مواجهة العنف الرقمي”، في تظاهرة تجمع بين السينما والنقاش الحقوقي، وتعيد طرح سؤال المساواة من خلال الصورة والفكر والإبداع.
وتأتي هذه الدورة، وفق ما أكدت مديرة المهرجان بشرى عبدو، لتكريس الطابع النوعي للتظاهرة، سواء من حيث انتقاء المواضيع أو توسيع فضاء النقاش العمومي، خاصة في ما يتعلق بقضايا النساء ومناهضة مختلف أشكال العنف، وفي مقدمتها العنف الرقمي.
وقد تميز حفل الافتتاح بلحظات فنية وإنسانية مؤثرة، خاصة مع تكريم الفنانة أميمة الخليل، إلى جانب أسماء وازنة من بينها الإعلامي البشير الزناكي ونجوى كوكوس، حيث عبّر المحتفى بهم عن اعتزازهم بهذا التكريم، معتبرين أن التوعية تظل المدخل الأساسي لمواجهة مظاهر العنف.
وكان من أبرز لحظاته العرض الموسيقي للفنانة المغربية سامية أحمد، ضمن مشروعها “فيروز زياد”، الذي مزج بين الحنين والالتزام. وقد تألقت سامية في أدائها الراقي الذي جمع بين الإحساس العالي والاختيار الفني الواعي. وأبهرت الحضور بوصلة موسيقية حملت ملامح مشروعها الفني القائم على إعادة قراءة الذاكرة الموسيقية العربية بروح معاصرة، ما جعل لحظتها تتجاوز الأداء نحو التعبير عن رؤية فنية متكاملة تنحاز للجمال والمعنى في آن واحد.
كما بصم الإعلامي ياسين عدنان على لحظة تقديم متميزة، ببلاغته المعهودة وهدوئه المهني، مانحاً الافتتاح نبرة فكرية متزنة، حيث قام بتقديم الفنانة اللبنانيةأميمة الخليل، ضيفة هذه الدورة.
إلى جانب ذلك، تم تكريم البشير الزناكي في لحظة مؤثرة استحضرت مساراً مهنياً متميزاً. وقد قُدمت شهادة في حقه ألقَتها الأستاذة المحامية أسماء الوديع نيابة عن الشاعر صلاح الوديع، وجاءت الشهادة محمّلة بذاكرة مشتركة وباعتراف صادق بمسار إعلامي وفكري ترك بصمته في الحقلين الثقافي والحقوقي، ما أضفى على التكريم بعداً وجدانيًا خاصاً.
كما عرف الحفل عرض فيلم قصير للمخرج والمدير الفني للمهرجان هواري غباري، حمل رسالة توعوية حول مخاطر الابتزاز الرقمي، مسلطاً الضوء على معاناة الضحايا، ومؤكداً في الآن نفسه أهمية اللجوء إلى المؤسسات المختصة وعدم مواجهة هذه الظواهر بشكل فردي، في إشارة واضحة إلى ضرورة تعزيز ثقافة الحماية والدعم القانوني والنفسي.
امتاز الافتتاح أيضاً بحضور جمهور متنوع جمع فنانين وإعلاميين وفاعلين مدنيين وباحثين، ينتمون إلى مرجعيات وتجارب مختلفة، توحدهم رغبة مشتركة في جعل السينما مساحة للتفكير في قضايا المجتمع، وفي مقدمتها المساواة والعدالة الاجتماعية.
هذا التنوع لم يكن شكلياً، بل انعكس في تفاعله وفي طبيعة النقاشات، التي أكدت أن المهرجان لا يكتفي بعرض الأفلام، بل يفتح فضاءً حيّاً للحوار بين الصورة والواقع.
على امتداد أيام المهرجان، توزعت البرمجة بين عروض سينمائية وندوات فكرية وورشات، تناولت قضايا إنسانية وحقوقية متعددة، مع تركيز خاص على العنف الرقمي ضد النساء ودور الإبداع في مواجهته.
وفي هذا السياق، تم التأكيد على أن السينما لم تعد مجرد وسيط فني، بل أصبحت أداة للتفكير والمساءلة وإعادة بناء الوعي الجماعي.
وفي الشق الموسيقي، بصم حفل الاختتام على لحظة فنية لافتة، حيث تفاعل الجمهور مع الفنانة أميمة الخليل وزوجها الفنان هاني سبليني، مردداً معها أغنية “عصفور طل من الشباك” و «تكبر», وغيرهما من الأغاني الخالدة، في أجواء اتسمت بالدفء والتفاعل الحي، ما منح الختام بعداً احتفالياً إنسانياً خاصاً.
وعلى مستوى الجوائز، أسفرت مداولات لجنة التحكيم ( التي تكونت من المطربة سامية احمد و الناقد السينمائي فؤاد زوريق و الكاتبة لطيفة باقا), عن تتويج عدد من الأعمال السينمائية، حيث نال الفيلم المغربي “حدائق الجنة” للمخرجة صونيا الطراب جائزة السيناريو، إلى جانب جائزة المساواة التي تمنحها الجمعية المنظمة.
كما عادت جائزة الإخراج للفيلم المصري السوري “نهار عابر” للمخرجة رشا شاهين، فيما توج الفيلم الإيراني “Life Gone with the Wind”
للمخرج سيافاش سيدبان بالجائزة الكبرى.
وإلى جانب المنافسات الرسمية، عرف المهرجان لحظات تكريم لافتة، من بينها تكريم المخرجة والممثلة وكاتبة السيناريو مريم التوزاني، التي بصمت المشهد السينمائي المغربي والعالمي من خلال أعمال تناولت بأسلوب إنساني عميق قضايا الحرية والهوية والعلاقات الإنسانية، إلى جانب مساءلتها لتمثلات النساء داخل المجتمع، ما جعل من تكريمها اعترافاً بمسار سينمائي متفرد وإسهاماً واضحاً في تعزيز حضور السينما المغربية دولياً.
كما شمل التكريم الباحثة أسماء المرابط، تقديراً لمسارها الفكري الذي انشغل بإعادة قراءة قضايا النساء في الإسلام من منظور المساواة والعدالة، حيث ساهمت كتاباتها ومحاضراتها في إغناء النقاش العمومي حول الدين وحقوق النساء وتجديد الفكر، في مقاربة تجمع بين البحث العلمي وأسئلة المجتمع الراهن.
وفي ختام هذه الدورة، أكدت إدارة المهرجان أن التظاهرة نجحت في ترسيخ موقعها كفضاء يجمع بين الإبداع السينمائي والالتزام الحقوقي، معبرة عن شكرها لكافة الشركاء والفنانين ووسائل الإعلام، إلى جانب الجمهور الذي ساهم بحضوره وتفاعله في إنجاح هذا الموعد الثقافي.