عزيز باكوش
يوميات مسافر إلى الإمارات: لعل المفارقة الأكثر إثارة في قراءة خريطة الخليج أن دولة عربية بلغتها وثقافتها ومحيطها الجغرافي، تبدو في تركيبتها البشرية أقرب إلى فضاء آسيوي متعدد الجنسيات. يكفي التجول في شوارع دبي أو أحياء الشارقة وشوارع عجمان حتى يلمس الزائر هذا التنوع الكثيف، حيث تتجاور لغات وتتعايش لهجات وتنصهر ثقافات عديدة داخل نسيج عمراني واحد.
كزائر عاشق لهذا البلد العربي المتفرد، استرعى انتباهي ملصق إخباري – انظر الصورة – وعلى الفور قررت إخراج محتواه المتشكل من أرقام وبيانات من جفاف اللوحة إلى حيوية القراءة والتحدي بعيدا عن عالم الأرقام البارد. فالتحدي الذي رفعته لا يتوقف عند نقل الأرقام، بل في إخراجها من الخانات الجامدة. وبدت لي الفكرة على جانب كبير من الأهمية تفتح أفقا واسعا للتحليل والتأمل.
حين تأملت الخريطة السكانية في دولة الإمارات العربية المتحدة على ضوء هذا الملصق البياني بهدوء وصفاء ذهن، اكتشفت على الفور أن الأمر يتعلق بنموذج ديموغرافي استثنائي لا يشبه كثيرا ما اعتدناه في شمال إفريقيا ولا العالم العربي. فهذه الدولة التي تنمو بسرعة جنونية تعتبر إحدى أهم التجارب التنموية في منطقة الخليج لا تعكس تركيبتها السكانية فقط معطيات ديموغرافية جامدة، بل ترمز إلى مسار اقتصاد عالمي مفتوح أعاد تشكيل المجتمع وفق منطق السوق والعولمة. يتبع
على صعيد حجم ساكنة دولة الإمارات العربية المتحدة وتنوعها، عندما نقوم بتفكيك الأرقام والبيانات بالنسبة للخريطة الديمغرافية نقف على: نحو 11.3 مليون نسمة، لا يشكل المواطنون الإماراتيون منهم سوى 12 في المائة تقريبا، فيما يتصدر الهنود المشهد بنسبة 38 في المائة، يليهم الباكستانيون بـ 16 في المائة، بينما لا تتجاوز نسبة العرب غير الإماراتيين 10 في المائة فقط.
غير أن هذا الوضع ليست وليد الصدفة. فمنذ عقود بنت الإمارات نموذجها الاقتصادي على الانفتاح وجذب الكفاءات والعمالة الأجنبية، لتلبية حاجيات سوق يتوسع بوتيرة متسارعة في قطاعات البناء والخدمات والنقل والتكنولوجيا والمال والسياحة. وهنا تحديدا يبرز الدور المحوري للعمالة القادمة من شبه القارة الهندية، التي تمتلك تاريخا طويلا من الارتباط التجاري والهجري بمنطقة الخليج، سبق حتى اكتشاف النفط.
وتأملت الحضور العربي بوصفه الأقل عددا في دولة عربية، لكنني سرعان ما اكتشفت أن ذلك لا يرجع بالضرورة لضعف الروابط الثقافية أو الجغرافية بين دولة الإمارات العربية وأشقاءها العرب، بل بسبب اختلاف طبيعة الأدوار الاقتصادية. فالعرب غالبا ما تتركز اهتماماتهم في قطاعات التعليم والإعلام والإدارة والخدمات المتخصصة، وهي مجالات لا تتطلب الكثافة العددية نفسها التي تحتاجها قطاعات الإنشاءات والخدمات اللوجستية، حيث تتفوق العمالة الآسيوية من حيث العدد والكلفة وشبكات الاستقطاب المحترفة عبر التاريخ.
حين استرعى انتباهي محتوى هذا الملصق قررت على الفور إخراج أرقامه وبيانته من جفاف اللوحة إلى حيوية القراءة والتحدي بعيدا عن عالم الأرقام. فالتحدي ليس في نقل الأرقام فقط، بل في إخراجها من جفاف التقرير إلى حيوية العمود الاستقصائي الذي لا يحتمل كثافة الأرقام ولا اللغة التقريرية الجامدة؛ فقط يحتاج فكرة مركزية تفتح أفق التحليل والتأمل.
إجمالي سكان الإمارات:
11.3 مليون نسمة تقريبا التوزيع الديموغرافي حسب الجنسيات/الفئات
يشكل الهنود: 38% العدد التقريبي: 4.29 مليون نسمة
الباكستانيون: 16% العدد التقريبي: 1.81 مليون نسمة
الإماراتيون (المواطنون): 12% العدد التقريبي: 1.36 مليون نسمة
العرب الآخرون: 10% العدد التقريبي: 1.13 مليون نسمة.
جنسيات أخرى: 10% العدد التقريبي: 1.13 مليون نسمة
البنغلاديش يون: 8% العدد التقريبي: 904 ألف نسمة
- الفلبينيون: 6% العدد التقريبي: 678 ألف نسمة.
أما على صعيد التوزيع الجغرافي حسب الإمارات نجد أبو ظبي: غالبية إماراتيون مع تنوع في الجنسيات الأخرى. دبي غالبية هنود مع تنوع كبير. الشارقة غالبية هنود وباكستانيون. عجمان غالبية هنود وباكستانيون. أم القيوين غالبية هنود وباكستانيون. رأس الخيمة غالبية باكستانيون. الفجيرة غالبية باكستانيون.
المصدر المذكور: هيئة الاتحاد للتنافسية والإحصاء (تقريبًا لعام 2023)
لماذا العرب أقل حضورا في البنية الديمغرافية الإماراتية؟ إذ يكفي أن تتجول في شوارع دبي أو الشارقة أو فضاءات حدائق أم القيوين وعجمان ورأس الخيمة حتى تدرك أن اللغة العربية ليست وحدها التي تصوغ يوميات المكان. كي تتأكد في الوقت نفسه أن هذه البنية الديمغرافية ليست صدفة، بل نتيجة اقتصاد مفتوح يحتاج إلى تدفقات بشرية ضخمة في البناء والخدمات واللوجستيك والمال. الأرقام هنا لا تحكي فقط عن سكان، بل عن فلسفة اقتصادية كاملة. إن طبيعة الوظائف التي يشغلها العرب كلفة العمالة شبكات الهجرة التاريخية للهند وباكستان نحو الخليج. ربما تقدم الإمارات نموذجا فريدا في العالم العربي كدولة تحافظ على هويتها الوطنية، فيما يعاد تشكيل نسيجها السكاني يوميا بواسطة العولمة.
في الإمارات العربية، يبدو المستقبل أقل ارتباطا بالخرائط وأكثر ارتباطا بحركة البشر ورأس المال. تكشف هذه الأرقام أن هذا البلد ليس مجرد دولة خليجية ذات أغلبية عربية ثقافيا، بل نموذج فريد لدولة تقوم بنيتها السكانية على اقتصاد عابر للحدود أكثر مما تقوم على الامتداد القومي التقليدي.
أول ملاحظة لافتة هي أن المواطنين الإماراتيين يشكلون فقط 12% من السكان، وهي نسبة منخفضة جدًا مقارنة بمعظم الدول، ما يعني أن السوق الإماراتية تعتمد بصورة شبه كلية على العمالة الوافدة والخبرات الأجنبية في مختلف القطاعات، من البناء والخدمات إلى المال والتكنولوجيا والرعاية الصحية.
الحضور الهندي الطاغي (38%) ليس رقما عابرا، بل يعكس تاريخا طويلا من العلاقات التجارية والهجرات بين شبه القارة الهندية والخليج. قبل النفط أصلا، كانت موانئ الخليج مرتبطة تجاريا بالهند أكثر من ارتباطها بمراكز عربية بعيدة.
كما أن صعود الباكستانيين إلى 16% يكشف تمركزا واضحا في قطاعات الأمن، البناء، النقل، والخدمات اللوجستية، مع حضور قوي في الإمارات الشمالية مثل رأس الخيمة والفجيرة.
أما دبي فتبرز وصفها مختبرا عالميا مفتوحا مدينة تتشكل هويتها الاقتصادية من العولمة أكثر من الجغرافيا، ولهذا تهيمن فيها الجاليات الآسيوية، خصوصا الهندية. وبنظرة الزوم تقدم الإمارات نموذجا لـما يمكن تسميته بالدولة المنصة. دولة صغيرة من حيث نسبة المواطنة لكنها ضخمة اقتصاديا، تستورد اليد العاملة والخبرة ورأس المال البشري من العالم.
قد تبدو لغة الأرقام صادمة لأول وهلة، ونحن نعد ورقة قراءة تحليلية لضعف حضور العرب ديمغرافيا بدولة الإمارات العربية مقارنة بالهنود والباكستانيين حيث يشكل العرب غير الإماراتيين 10% فقط، مقابل 38% للهنود و16% للباكستانيين. لكن تفسير ذلك برأي الخبراء يرتبط بعدة عوامل من بينها طبيعة سوق العمل. بحيث يحتاج الاقتصاد الإماراتي إلى كتلة ضخمة من العمالة متوسطة قريبة ومنخفضة الكلفة في الصيانة والضيافة. وهذه الخدمات توفرها بكثافة دول مثل الهند باكستان وبنغلاديش، بسبب وفرة اليد العاملة وانخفاض الأجور المقبولة نسبيا. كما لا يجب أن ننسى شبكات هجرة تاريخية راسخة في المنطقة العربية.
بينما نجد العمالة العربية تتجه غالبا نحو الإعلام التعليم الإدارة القانون التسويق القطاع الحكومي أو شبه الحكومي أي أنها أقل عددا بطبيعتها.
على صعيد الكثافة السكانية والضغط الديموغرافي. نجد الهند وحدها تتجاوز 1.4 مليار نسمة، وباكستان أكثر من 240 مليونا، ما يجعل تصدير العمالة جزء من استراتيجيتها الاقتصادية. في المقابل، كثير من الدول العربية أقل سكانا أو تملك بدائل هجرة أخرى مثل أوروبا أمريكا الشمالية دول الخليج الأخرى.
لا بد من الإشارة هنا للجذر التاريخي فالعلاقة بين الخليج وشبه القارة الهندية تاريخية قديمة جدا ذلك أن التجارة البحرية بين موانئ الخليج والهند سبقت قيام الدول الحديثة بقرون. لهذا لم تبدأ الهجرة الهندية إلى الإمارات مع النفط، بل تعززت بعده فقط.
نخلص في النهاية رغم أن الإمارات دولة عربية، إلا أن منطقها الاقتصادي براغماتي ذلك أن السوق يستقطب ما يحتاجه من كفاءات ويد عاملة بغض النظر عن الانتماء اللغوي أو الثقافي. الهوية في الإمارات عربية رسميًا وثقافيا، لكن المحرك السكاني والاقتصادي آسيوي بدرجة كبيرة.
ربما لهذا تبدو الإمارات العربية المتحدة حالة فريدة في المنطقة جغرافيا عربية وثقافة محلية راسخة، لكن ديموغرافيا تصوغها حركة البشر ورأس المال أكثر مما ترسمها حدود الخرائط. هنا تحديدا تكمن فرادة التجربة الإماراتية. فهي لا تُقرأ فقط من خلال ناطحات السحاب أو مؤشرات النمو، بل أيضا من خلال سؤال ديموغرافي كبير كيف يمكن لدولة صغيرة بنسبة مواطنة أقل إن تدير هذا التنوع الهائل وتحوله إلى قوة ناعمة وصلبة في آن واحد؟
دبي عزيز باكوش ماي 2026

















