بقلم الناقد محمد مجاهد – المغرب –
تعد مدينة فاس بما تحمله من إرث حضاري و تاريخي و روحي عريق، واحدة من أهم المدن الثقافية في المغرب. غير أن هذا الرصيد التاريخي لا يعكس بالضرورة واقعها الثقافي و الفني المعاصر، الذي بات يطرح أسئلة ملحة حول مكانة الفن و الفنان داخل نسيج المجتمع الفاسي ، حيث بين التهميش المؤسساتي و صمود الفاعل الثقافي تتشكل مفارقة عميقة تستحق الوقوف عندها بالتحليل و المناقشة .
إن أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو تراجع دور الفن و الثقافة داخل المدينة ، حيث لم تعد الأنشطة الثقافية تحظى بنفس الزخم أو الاستمرترية التي كانت تميز مدينة فاس خلال مراحل سابقة . هذا التراجع لا يمكن فصله عن غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى المجالس المحلية للمدينة ، التي يفترض أن تضطلع بدور محوري في تفعيل الحياة الثقافية ، فبذل أن تكون هذه المجالس رافعة لحركة فنية مستدامة و متقدمة، تبدو في كثير من الأحيان غائبة أوغير مبالية ، ما يخلق فراغا مؤسساتيا ينعكس مباشرة على الفنانين و الجمهور على حد سواء .
يزداد هذا الوضع تفاقما مع إغلاق المركب الثقافي الوحيد للمدينة بدعوى الإصلاح لمدة تجاوزت الخمس سنوات دون تسريع في خلق بدائل حقيقية أو حلول انتقالية . هذا الإغلاق لم يحرم الفنانين فقط من فضاء للعرض و الإبداع بل ساهم في خنق المبادرات الثقافية و تقليص فرص التلاقي و التفاعل . لأن المركب الثقافي لم يكن مجرد بناية بل كان قلبا نابضا للحياة الفنية و غيابه خلق حالة من الشلل الثقافي .
كما أن توقيف دعم الجمعيات الثقافية و الفنية خاصة تلك المرتبطة بالمهرجانات الوطنية و الدولية زاد من هشاشة المشهد ، هذه المهرجانات كانت و لازالت تسهم في تحد كبير في تصدير إشعاع المدينة الثقافي و الفني ، و في ظل غياب دعمها تجد نفسها عاجزة عن الاستمرار بالصورة الهادفة .
و من بين أبرز مظاهر الفقر الثقافي والفني كذلك، تغييب الفنان عن دوائر التشاور و صنع القرار الثقافي فبدل من إشراكه كفاعل أساسي يمتلك الخبرة و التجربة يتم إقصاؤه من المجالس و اللجان التي تناقش الشأن الفني .
و بالرغم من كل هذه التحديات يتحلى الفنان الفاسي بنوع من رباطة الجأش و الصبر و الانتظار . فهو في الغالب يرفض الاحتجاج أو التصعيد و يختار الانتظار كخيار وحيد متشبتا بأمل تحسن الأوضاع .
في ظل هذا الوضع الثقافي والفني الفاسي يجد الفنان نفسه مضطرا للبحث عن فرص خارج المدينة من خلال مشاركات متفرقة في أعمال بأدوار ثانوية، حيث يتحول إبداعه من فعل يومي مرتبط بالمجال المحلي إلى نشاط موسمي ظرفي مرتبط بفرص عابرة و بعيدة .
إن المشهد الثقافي في فاس يعيش حالة من التناقض بين غنى الذاكرة وضعف الحاضر، يستمر الفنان خلاله في مقاومة التهميش بالصبر والإبداع الفردي، ليبقى الرهان الحقيقي معقودا على إعادة الاعتبار للثقافة والفن كأولوية تنموية، وعلى إشراك الفنان في صياغة مستقبل مدينته ، و بدون ذلك تظل فاس رغم تاريخها تعيش على هامش حاضرها الثقافي .
غير أن هذا الصبر الثقافي الذي ميز الفنان الفاسي لسنوات بدأ يولد بوادر تحول لافت. فالكأس كما يقال يفيض بنقطة .. وقد تجسدت هذه النقطة مؤخرا في مبادرة جريئة للفنان : جواد نخيلي، الذي اختار أن يكسر جدار الصمت و الانتظار محتجا داخل اجتماع المجلس الجماعي للمدينة، حاملا لافتة تنبه إلى خطورة الوضع الراهن الذي يعيشه الفنان في مدينة فاس .
هذا الفعل الرمزي و إن بدأ فرديا، فهو يحمل في طياته دلالات عميقة، إذ يعكس انتقالا من مرحلة الانتظار إلى مرحلة الاحتجاج ، كما أنه قد يشكل شرارة أولى لتحركات أوسع داخل الوسط الفني، خاصة في ظل تراكم الاحباطات و غياب قنوات فعالة في الحوار و التفاعل . مما يحتم على الجهات المعني التفكير في حلول عملية، قصد إعادة بناء الثقة بين الفنان و المؤسسات بمدينة فاس، و من أبرز ما يمكن الاشتغال عليه هو نفسه مطالب شريحة فناني و فنانات المدينة من فتح قنوات للحوار و إشراكهم في ثمثيليات المجالس المهتمة بالثقافة و الفن، والتعجيل بإعادة فتح المركب الثقافي لضمان استمرار الفعل الثقافي و الفني لدى التظاهرات و المهرجانات الوطنية و الدولية و تفعيل دعمهم دون تمييز لتشجيع برامجهم التي تسهم بشكل مباشر في التعريف بالمدينة و نشر الوعي الثقافي لدى الشباب ، ثم إطلاق برامج يؤطرها الفنان الفاسي ترتبط بإبراز تاريخ و تراث المدينة الحضاري عوض استقبال برامج من خارج المدينة . وأخيرا تبني رؤية ثقافية و فنية شاملة تعتبر الفن رافعة للتنمية لا مجرد نشاط هامشي .
إن ما حدث مع جواد نخيلي ليس سوى مؤشر على مرحلة جديدة قد تدخلها الساحة الفنية بفاس، مرحلة عنوانها كسر الصمت و الانتظار . و بين التصعيد الممكن و الحلول المتاحة يبقى الأمل قائما في أن تستعيد فاس مكانتها كحاضرة ثقافية نابضة بالحياة لا مجرد ذاكرة تاريخية صامتة.


















