في روايته – آخر يوم لمحكوم عليه بالإعدام- يكشف الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو عن خطاب داخلي محموم ومشوش لسجين محكوم عليه بالإعدام أسابيع قليلة قبل موعد تنفيذ الحكم. حيث يسعى هوجو بكل ما يملك من ملكات إبداعية وقدرة هائلة على الخيال الأدبي في الوصف وعصف الكلمة إشعار روح العدالة المتمثلة في الأنظمة القانونية وأجهزة القضاء الفرنسي، أن عقوبة الإعدام ليست بالضرورة عدلا، ولا هي الحل الأمثل لتصحيح وضعية الإجرام في فرنسا إبان تلك الحقبة. والحكمة هنا أن القانون بإعدامه للمحكوم يكون قد حرمه، ولم يمنحه بعد فرصة حقيقية لتصحيح خطئه. ولم يتح أمامه الوقت الكافي لمراجعة نفسه. بيد أننا على امتداد لذة القراءة الماتعة لهذه التحفة القصصية المذهلة، يسكننا ترقب مريب، ويجرفنا شوق كبير لمعرفة اسم المجرم ونوع الجريمة التي اقترفها ليستحق على إثرها حكم الإعدام.
إلا أن الكاتب لم يمنحنا هذه الفرصة ليظل شغفنا معلقا على التواطئ اللذيذ بين الكاتب النص والقارئ المتعة. ونحن والحقيقة تقال على وعي تام، أن ذلك الغمز ليس مرده نقص في الخبرة الأدبية، أو تبخيس معنوي لذكاء القارئ، وإنما ميازة وتفرد في جذب القارئ والالتفاف على مشاعره. لكنه بالمقابل يكشف لنا نفسية المحكوم عليه المهزوزة وحالة الاضراب التي تنهش خياله، لا سيما حين لا تتذكره ابنته الصغيرة..
واللذيذ هنا، أن البطل المدان، جعلنا في حرية لا ضفاف لها، بينما هو سجين داخل زنزانة مظلمة وجسده على وشك الفناء. حتى وهو يحكي بمرارة تفاصيل ضافية عن عبث المؤسسات ورداءة الوضع الاجتماعي وبيروقراطية الإدارات والمرافق العامة للدولة.. كذلك الأمر عند دوتويفسكي في رائعته –الوديعة- لا نعرف اسم الزوجة، وإن كنا نعرف الكثير عن دوافع وأسباب المأساة التي أقدمت على ارتكابها من خلال بعض التسريبات عن الوضع المتردي للمعيش اليومي للمواطن في تلك الحقبة من الزمن الروسي.
في قصة– الوديعة- وبنفس الروح الفيكتورية إذا جاز التعبير، يحكى العبقري دوتويفسكي بأسلوب مبهر ومأساوي في التحليل النفسي علاقة رجل في الأربعينيات يملك محل رهونات بشابة في السادسة عشرة ساقها القدر كزبونة لديه، لكنها مع مرور وقت ليس بالقصير ستصبح زوجته. ليس فقط بهدف تحريرها من الفقر، بل أيضا لانتشالها من يد تاجر خمسيني بدين يقطن بالجوار سبق له أن شيع زوجتين إلى القبر. ويرغب الآن في جلبها كزوجة ثالثة لإطعام أطفاله اليتامى. ” فالإنسان شديد البراعة في تقدير الفرص الدنيئة ” ومع مرور الوقت، سيتقدم الضابط المتقاعد لطلب يد الشابة بصفاته الممكنة والواهمة. لكنه سيتبين بعد مرور الوقت أنها لا تزال خائفة منه إلى حد الرعب. فتاة فقيرة، لكنها شديدة الكبرياء، بدليل أنها لبثت عند البوابة تفكر مليا مدة طويلة قبل أن تقول نعم لقبول زواجها منه. وفي كل الأحوال لم يتسن لنا كقراء معرفة اسم –الفتاة الوديعة-
إنه الأدب الإنساني الرفيع والإبداع الأدبي الملهم والبديع


















