عزيز باكوش
في العمود السابق طرحنا السؤال وكنا نود بسطه والتفاعل معه بواقعية والتأمل في تفاصيله بكل موضوعية هو : متى يكون النشر مبررا أدبيا وأخلاقيا؟ وهل نشر صورة لجماعة مهنية هو بالضرورة فعل غير أخلاقي ؟ حتى لو كان المعيار هو الغرض والسياق واحترام الأشخاص الظاهرين فيها.؟ دعنا نسلم أولا أن الصورة الجماعية التي تكتسي طابعا مهنيا ليست مجرد لحظة اجتماع لوجوه أمام عدسة كاميرا ولا هي بالضرورة رغبة ذاتية

في الظهور أو استعراض للحضور. وإنما هي في كثير من الأحيان وثيقة إنسانية تختزل لحظة من العمل المشترك، وتحتفظ بملامح أشخاص جمعتهم فكرة أو مناسبة أو مسارا مهنيا واحدا . شخصيا حين أقوم بنشر صورة تجمعني بزملاء ال
مهنة وأصدقاء المرحلة فإنني أفعل ذلك ليس تقديرا للقاء ووفاء للذاكرة فحسب وإنما واعترافا بقيمة الرفقة التي منحت اللحظة معناها كذلك . فالصورة لا تحتفي بشخص واحد بل تحفظ حضورا جماعيا يستحق أن يبقى شاهدا على زمن مضى. غير أن هذا التوثيق لا ينبغي أن يتحول إلى مصادرة لحق الآخرين في الخصوصية. وهذا ما شددنا على ضرورة أخذه بعين الإعتبار . فلكل وجه من الوجوه الماثلة في الصورة حزمة مشاعر وأحاسيس يراها تحفظ كرامته، ولكل شخص الحق كل ال
حق في أن يختار كيف متى وأين يظهر. ومن هنا، فإن مشروعية النشر لا تستمد قوتها من امتلاك الصورة كتذكار حميمي للقاء بل من احترام أصحابها ومراعاة لمشاعرهم فضلا عن صدق السياق الذي تنشر فيه وسلامة الغرض منهاوموضوعية الهدف . إننا هنا نرى في الصورة الجماعية المهنية شكلا من أشكال الوفاء الإنساني لكنها لا تكون كذلك إلا حين تظل أمينة للحظة صادقة في دلالتها ومحترمة لإرادة من صنعت وجوههم معناها. فالتوثيق الحقيقي لا يحفظ الصورة وحدها بل يحفظ معها كرامة أصحابها. لكن ثمة محددات عملية يتعين مراجعتها من زاوية أخلاقية قبل النشر وجب التدقيق في تفاصيلها حتى يستقيم التوثيق مع التصرف في الوثيقة إجرائيا . هل الصورة مرتبطة فعلا بنشاط مهني أو ثقافي واضح؟ هل يعرف الأشخاص أن الصورة قد تنشر على منصة عمومية؟ هل التعليق المرافق يصف المناسبة بصدق دون مبالغة أو إيحاءات؟ هل توجد وجوه قد يسبب ظهورها حرجا أو ضررا؟ هل احترمت رغبة أي شخص طلب عدم النشر أو حذف صورته؟ إذا كانت الصورة تضم زملاء في مؤسسة تعليمية أو إدارة عمومية، فإن الطابع المهني لا يلغي تلقائيا حقهم في الخصوصية. وإذا كانت الصورة منشورة أصلا في صفحة المؤسسة أو في تغطية رسمية، فهذا قد يكون مؤشرا على قبول تداولها في ذلك السياق، لكنه لا يبرر بالضرورة كل استعمال لاحق لها. هناك مسألة التراتبيات في هندسة الصورة التي غالبا ما تكون تلقائية. الصورة الجماعية المهنية ليست امتيازا لمن يقف في مقدمتها أو تقليلا من الأهمية للصفوف الخلفية بل أمانة أدبية ولفتة بريئة لمن منحوا اللحظة معناها. ننشرها لأننا نريد أن نحفظ الذاكرة لا لأننا نريد أن نبرز ملامح أو نمتلك وجوه الآخرين. أن النشر في نهاية المطاف سواء كان للتوثيق والوفاء، أو احتفاء مشتركا بأثر جماعي خالد في الذاكرة مسؤولية وأمانة . من هنا وجب التأكيد على ضرورة احترام أي رغبة مشروعة في عدم الظهور وتنفيذ مضمونها على الفور مع التوضيح والاعتذار .
الصورة مع سفير بريطانيا بالمغرب توماس رايلي


















