مسألة سبتة: 10 أسئلة و10 إجابات
أكرم ألفي
أعلنت الحكومة الإسبانية أن 48 ألف مغربي غادروا سبتة في طريق عودتهم إلى المغرب، بمعدل مغادرة 150 شخصًا في الدقيقة، بحسب بيان رسمي، لتُغلق مؤقتًا مشهدًا شغل العالم خلال اليومين الماضيين، بعدما عبر نحو 60 ألف مغربي إلى سبتة، التي تخضع للسيادة الإسبانية، مع إعلان وفاة أكثر من 57 مغربيًا خلال رحلة العبور بحثًا عن الهجرة إلى إسبانيا.
قد يكون ملف سبتة شديد الغموض بالنسبة إلى الجمهور المصري، ولذلك فإن هذا المقال ليس موجهًا إلى الأصدقاء في المغرب، بل هو محاولة لتقريب الصورة إلى المصريين الذين تفاعلوا على نطاق واسع مع مشاهد الهجرة الجماعية للمغاربة. وستكون محاولتي مجرد إعادة طرح العديد من الأسئلة التي ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ومحاولة الإجابة عنها.
1- من أين يأتي كل هؤلاء المهاجرين؟
إن من قاموا بمحاولة الهجرة غير الشرعية الجماعية إلى سبتة قدموا من الفنيدق، وهي مدينة مغربية ملاصقة لسبتة، ويعتمد اقتصادها تاريخيًا على التجارة عبر معبر سبتة. ولكن خلال السنوات الأخيرة، ومع تشديد الإجراءات على الحدود وتراجع عمليات تهريب البضائع، فقدت المدينة جزءًا كبيرًا من نشاطها الاقتصادي، مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة.
2- كيف تنتقل من الفنيدق إلى سبتة؟
هناك معبر بري شهير بين الفنيدق وسبتة، حيث إن سبتة تقع جغرافيًا في قارة أفريقيا، وليست في الجزء الأوروبي من إسبانيا. ويعمل هذا المعبر على مدار الساعة، وقد أقامت الحكومتان المغربية والإسبانية سياجًا وسورًا إسمنتيًا على الحدود بين الفنيدق وسبتة للحد من الهجرة غير الشرعية.
3- إذا كانت الحدود برية، فلماذا يلقي المغاربة أنفسهم في البحر؟
الإجابة سهلة جدًا بالنسبة إلى المغاربة. فقبل شهر أصدرت المحكمة العليا الإسبانية حكمًا يقضي بأن البحر ليس «عنصرًا ماديًا للحدود»، وبالتالي فهو قانونًا ليس سياجًا أو جدارًا إسمنتيًا أو حاجزًا ماديًا. ومن ثم لا يجوز مساواة من يصل بحرًا بمن يتسلق الجدار أو السياج، ولذلك لا تتم إعادته فورًا، بل يجب تحديد هويته وفتح الإجراءات القانونية الخاصة به.
وهذا يعني ببساطة أن من يصل عبر البحر يمكن أن يكون لديه أمل في الحصول على إقامة عبر الإجراءات القانونية.
ومن هنا، فإن الشباب والشابات الذين يصلون إلى الفنيدق، بدلًا من عبور السياج، يقومون بالسباحة لمسافة قصيرة جدًا، وليس عشرة كيلومترات كما يتوهم البعض في مصر. كما أن وفاة العشرات لم تكن نتيجة الغرق، بل بسبب التدافع عند السياج أو الاشتباكات. ولهذا قد يستغرب المصريون رؤية بعض الأشخاص يسبحون مع أطفالهم الصغار، أو قيام أحدهم بتصوير نفسه أثناء السباحة، لأنها في الواقع مسافة قصيرة جدًا وليست عبورًا طويلًا عبر البحر المتوسط.
فالمغاربة لم يلقوا بأنفسهم إلى البحر، بل قاموا -بحسب هذا التفسير- بالإجراء الذي اعتقدوا أنه يتيح لهم، بعد الدخول، سلوك مسار قانوني، لأن محاولة اجتياز السياج تعني الترحيل الفوري.
وقد صرح رئيس الحكومة الإسبانية بأن البعض أساء تفسير حكم المحكمة العليا، واستغلته عصابات تهريب البشر.
4- كيف استغلت عصابات التهريب حكم المحكمة العليا؟
روجت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب لحكم المحكمة العليا الإسبانية، وقامت عصابات تهريب البشر بإقناع آلاف الفقراء، خاصة في المنطقة الشمالية (طنجة – تطوان – الحسيمة)، بإمكانية تقديم طلب لجوء عبر الوصول إلى الفنيدق، قرب السياج والمعبر، ثم السباحة لمدة لا تتجاوز 15 دقيقة، للحصول على الجنسية الإسبانية.
5- لماذا تدافع 60 ألفًا عبر الحدود إلى إسبانيا؟
تفسير هذا التدافع بسيط للغاية. فقبل أسبوع كان هناك ما يشبه الترهل الأمني على الجانبين الإسباني والمغربي، مما سهل وصول نحو ألف مغربي إلى سبتة، فانتشرت الشائعة كالنار في الهشيم حول سهولة العملية. وبالطبع استغلت عصابات التهريب هذا الوضع، كما أن الأمن المغربي لم يكن لديه مصلحة مباشرة في مواجهة هذه الحشود، إلى جانب محدودية إمكانيات الأمن الإسباني في سبتة.
6- هل القضية الفلسطينية هي السبب نتيجة موقف إسبانيا؟
لو كان هناك أي سبب يتعلق بعقاب أمريكي أو إسرائيلي للحكومة الإسبانية، لكانت مدريد قد أعلنته. فرئيس الحكومة الإسبانية يدرك تمامًا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستغلان ما حدث للهجوم عليه، لكن الأمر في حد ذاته ليس مؤامرة ضد الحكومة الإسبانية من جانب المغرب. وهذا، في تقديري، بعيد عن الواقع.
7- هل حشد المغرب الجمهور لمعاقبة إسبانيا سياسيًا؟
طُرح هذا السؤال بكثرة في الصحف الإسبانية، خاصة مع استحضار ما حدث في عام 2021، عندما ربط البعض بين استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو للعلاج وحدوث أزمة مايو 2021، التي دخل خلالها نحو 8 آلاف مغربي، بينهم 1500 قاصر، إلى سبتة خلال أقل من 48 ساعة. ووقتها اتهمت مدريد المغرب بتخفيف الرقابة على الحدود.
وجاءت حادثة يوليو 2026 عقب زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر، والاتفاق الذي أبرمته إسبانيا مع المملكة المتحدة بشأن جبل طارق.
وتحدثت الصحف الإسبانية عن ترهل أمني مقصود على الجانب المغربي استغله الساعون إلى الهجرة. لكن لا توجد أدلة على حشد مباشر للبشر نحو الحدود لإثارة أزمة سياسية، بل إن ما يمكن وصفه هو «التغاضي» عن تدفق القادمين إلى الحدود.
وقد صرحت الحكومة الإسبانية بأنها تواصلت مع الجانب المغربي لتشديد الإجراءات الأمنية وإعادة من وصلوا إلى سبتة، مؤكدة أن الجانب المغربي يتعاون بصورة واضحة.
8- من هم الذين قاموا بالمحاولة؟
تُظهر التقارير الأولية أن أغلبية الستين ألفًا الذين وصلوا إلى سبتة هم من المغاربة، وليسوا من المهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما قد يعكس تراجعًا نسبيًا في قدرة شبكات تهريب البشر على استخدام الأراضي المغربية كنقطة عبور.
وفي الأغلب، ينتمي هؤلاء إلى سكان شمال المغرب، ومعظمهم من الشباب غير الحاصلين على تعليم جامعي والعاطلين عن العمل، في ظل معدلات بطالة مرتفعة نسبيًا، واعتماد كثير من المناطق الشمالية على العمل الموسمي، مع محدودية فرص العمل الدائمة، وهو ما يجعلها من المناطق التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية.
9- كم يقدر عدد المغاربة في إسبانيا؟
يصل عدد المغاربة في إسبانيا إلى نحو 1.2 مليون شخص، أي ما يقارب 15% من المغاربة المقيمين في أوروبا، ونحو 2.3% من سكان إسبانيا.
ويُعد الشباب المغربي من خريجي الجامعات أحد مصادر القوة البشرية المهمة في سوق العمل الإسباني، وتشير بعض الدراسات الديموغرافية إلى أن إسبانيا ستحتاج إلى تدفقات منتظمة من العمالة الشابة خلال العقود المقبلة، بما في ذلك من المغرب.
10- إذا كانت إسبانيا تحتاج إلى الشباب، فلماذا تقيم السياج؟
تحتاج إسبانيا إلى قوة عمل منظمة ومدربة تدخل عبر الإجراءات القانونية، ولا ترغب في تحميل ميزانيتها تكاليف استقبال طالبي اللجوء، إذ يختلف نظام اللجوء عن الهجرة الشرعية للعمل وفقًا للقانون، كما تختلف آثارهما الاقتصادية.
ويمتلك المغرب قوة بشرية كبيرة تمثل رصيدًا مهمًا بالنسبة إلى أوروبا، إلا أن الدول الأوروبية، وعلى رأسها إسبانيا وفرنسا، تسعى إلى استقطاب العمالة التي تلبي احتياجات أسواق العمل لديها عبر القنوات القانونية، وليس من خلال الهجرة غير النظامية.
















