د.عزيز زروقي
كل متأمل للمشهد النقدي يعي قلة القراءات النقدية المنجزة حول النصوص النقدية في مقابل الاستعانة بمنهج نقدي وقراءة نص أدبي؛ ولقد لاحظ الفيلسوف الفرنسي البلغاري (تزفيتان تودوروف) Todorouv Tzvetan قلة القراءة؛ خاصة فيما يتعلق بالكتب العلمية والفكرية وبالأخص كتب النقد، إذ يُعتقد أن قراءة نص نقدي مخاطرة فيها من المزالق ما يُحتم الابتعاد عنها، وأن النقد لا يقرأ ولا يقاس خاصة في غياب منهاجية خاصة بقراءة النص النقدي، وضبابية أدوات القراءة التي يمكن أن يباشر بها القارئ نصا نقديا مقيدا هو بدوره بآلية أو آليتين استعان بها قارئ النص الأدبي.
لن يغيب عن ذهن قارئ وهو يقرأ نصا نقديا أنه ملزم بالانطلاق في قراءته لنص نقدي من منطلقات قارئ النص الأدبي المنهجية، فلا توجد آليات قراءة النص النقدي وآليات قراءة النص الأدبي، بل توجد آليات القراءة المعروفة بمناهج النقد، وبالتالي على قارئ النص النقدي أن يتبنى تصورات وآليات قارئ الأدب المنهجية، ويبتعد عن اختيار منهج نقدي للقراءة، لأنه في حالة اختياره مسبقا للآلية قبل الاطلاع على النص النقدي سيقيد ما هو مقيدا أصلا.
أ-تعريف النقد:
1- لغة: تمييز الدراهم وإخراج الزائف منها، ويأتي بمعنى فحص الشيء وكشف عيوبه.
2- اصطلاحا: تمحيص العمل الأدبي بشكل متكامل حال الانتهاء من كتابته؛ إذ يتم تقدير النص الأدبي تقديرا صحيحا يكشف مواطن الجودة والرداءة فيه، ويبين درجته وقيمته، ومن ثم الحكم عليه بمعايير معينة، وتصنيفه مع من يشابهه منزلة. فالنقد يختلف بمعاييره وأحكامه باختلاف الفن الذي يمارس فيه النقد؛ فالنقد الذي يوجه للأدباء والنقاد يختلف عن ذلك الموجه لتخصص آخر، فلكل منهم أسلوبه وأحكامه، إلا أن المشترك بينهم هو النظر في الأثر الأدبي وتحليله مضمونا وشكلا، ثم الحكم عليه وتقويمه. النقد قد يكون في مجال الأدب، والسياسة، والفلسفة، والمسرح والسينما والتشكيل والرسم، و…هناك مفردات مقاربة للنقد؛ كالتقييم، والردود، والمناظرات، والمحاورات، والجدل، والمباحثة، إلا أن لكل مصطلح ما يميزه عن غيره من حيث الأساليب، والأحكام، والأهداف والمرامي.
ب-شروط وجوب توفرها في الناقد:
1-الموهبة: فيها يقدر الناقد الأشياء تقديرا صحيحا؛ فيميز بين العمل الجيد والجاد والعمل الرديء.
2-الكفاءة العلمية: يتخصص الناقد بنقد الأعمال في مجال تخصصه، وأن يمتلك الثقافة الواسعة في مختلف الميادين التي تؤهله إعطاء رأي بكل ثقة.
3-حكيما وعادلا: يصدر أحكامه بكل شفافية ونزاهة بعيدا عن الهوى والتعصب؛ وذلك بأن يعلل أحكامه ويفسر رأيه بناء على أُسس علمية غير خاضعة لعاطفته أو ميوله الشخصية؛ فلا يصدر حكمه لكي يحابي أحدا، أو من أجل أن يقلل من قيمة أحد.
4-الوقار والأدب: هنا يكون النقد بعيدا عن الإساءة للآخرين بالألفاظ الخارجة عن الأدب؛ فيوجه النقد للفكرة دون إيذاء المخالفين في الرأي حتى وإن كانوا مخطئين.
ت- مراحل النقد: يخضع النقد لمجموعة من الإجراءات والخطوات الضرورية، فيمر بثلاث مراحل؛ هي:
1- التفسير: توضيح لمضمون النص والمعنى العام الذي أراد الكاتب إيصاله إلى القراء.
2- التحليل: شرح لأسلوب الناقد في التعبير عن أفكاره وعواطفه.
3- التقويم: إعطاء حكم عن العمل.
النقد الأدبي La Critique littéraire مزج لمكونات مختلفة؛ منها الحساسية والخيال والبلاغة والأسلوب، والسرد، تنظيمه وترتيبه ، واستثمار الديمومة والزمن الداخلي والمونولوغ الباطني. إنه كتابة، الكتابة بالمعنى الذي يوظفه (جاك دريدا) Jacques Derrida أي استراتيجية للتحرر من سياج الهوية والتطابق، أو بما يسميه بالسياج الميتافيزقي. الكتابة يمكن أن تكون بصرية؛ وهي عدة السينما، ويمكن أن تكون لفظ والعبارة آنذاك نعتبرها عدة الأدب. فعماد الأدب العبارة أو الكلمة، وعماد السينما اللقطة.
يختلف الذوق ويتدرج في الرقي، وإذا كان الذوق يرقى وينحط فهو خاضع لنظام وقوانين يمكن دراستها. هناك مقاييس للذوق الراقي والذوق المنحط يمكن أن تصاغ في قالب قواعد علمية، بل صيغت بالفعل في علم الجمال، وإن لم يستكشف جميعها بعد. فلا يصدر الحكم النقدي اعتباطا، أو لا يلعب فيه بالألفاظ، وإنما هو مبني على ذوق خاضع للبحث العلمي. إن الاختلاف في الذوق مسلم به؛ ولكن ما اتفق عليه نقاد الأدب أكثر مما اختلفوا فيه.
ليس من نقاد الأدب من يشك في أن كلا من الفرزدق وجرير والأخطل شعراء عظام، ولا أن امرأ القيس والنابغة فرسان رهان، ولا أن مقامات البديع فيها مزايا وعيوب ومقامات الحريري كذلك. هناك ضروب من الاتفاق عدة، وهذا الاتفاق دلل على أن هناك معاني في نفوس الأدباء ومقاييس متفق عليها يصدرون عنها أحكاما متفقة. فالنقد الأدبي ينبغي أن يسمح بهذا الاختلاف البسيط بين الأدباء ولا يضيره ذلك، فإن وراء هذه الأصول والقواعد التي اتفقوا عليها أو هي في نفوسهم محل اتفاق شخصية تسبب هذا الاختلاف، فمن غلبت عليه فكرة التشاؤم وأَلِمَ من عيوب الناس واحتقر شئونهم؛ سيميل لا محالة لشعر أبي العلاء. ومن قضى حياته في لهو وسرور وخمر وتشبيب ونحو ذلك سيفضل شعر أبي نواس، وقس على ذلك. هذا الاختلاف في التفضيل لا يؤثر كثيرا في قواعد النقد التي تحتل مركزا أدبيا ممتازا لكل من؛ أبي العلاء وأبي نواس.
ليس من خصائص النقد الأدبي أن يشعرك بطعم كل ناقد، فهذا شيء لا ينشأ عن طريق النقد؛ بل عن طريق القراءة الشخصية لآثار الناقد. والذي يستحسن الآثار النقدية أو يستهجنها ثم يضع لها عللا معقولة، وهذا هو موضوع النقد، الذي يضع قواعد يرجع إليها في حبه أو كرهه للشيء، ويرى إن كان يمكن تطبيق ذلك على جميع الآثار الفنية والجمالية أو لا. إن هذا العلم محفوف بصعاب كثيرة، وأن هناك نواحي لا يمكن وضع قواعد لها؛ كالشخصية المختلفة للنقاد، وقواعد يمكن وضعها وتطبيقها على النقد عامة.
يطمح علم النقد الأدبي أن يخرج بالنقد من أن يكون مجرد شد أو جذب لا يستند على تعليل، فكل ما كان مبنيا على ذوق الناقد وحده، ومجرد ادعائه أن هذا بليغ وهذا غير بليغ؛ لأنه يتذوقه أو لا يتذوقه، واكتفاؤه أن يصوغ عبارات الإعجاب أو عدمه في قالب جميل، كل هذا ونحوه لا يفيدنا كثيرا في مقالنا هذا، ولا يصح أن يعد من علم النقد. فهي قواعد مستنبطة من الفن وليس الفن مستنبطا منها، ويجب أن نلفت النظر إلى أننا بهذه الأسس لا نريد أن نهدر الذوق الخاص للناقد لأن له دخلا كبيرا في قيمة الناقد؛ ولكن مما لا شك فيه أن هذه القواعد تساعد ذوق الناقد على تعرف الصواب.
يجب أن نعير اهتماما لما يسمى مبدأ الصدق. وقد كان (أفلاطون) Platon أول من أعلنه، وهو أن أساس كل عمل جيد وخالد في الأدب هو الإخلاص التام من الفرد لنفسه، والإخلاص التام منه لتجربته الخاصة في الحياة، وهذه الصفة من الإخلاص هي التي عدها (توماس كارليل) Thomas Carlyle العنصر الضروري لتكوين كل عظمة وبطولة، وهذا المعنى هو الذي عبر عنه (ألفريد دي موسيه) Alfred de Musset بقوله: “إنني أنا الذي عشق”. وقد تبدو هذه العبارة عادية، ولكن كم منا يستطيع أن يقولها بصدق؟
وكما قال (جورج هنري لويس) George Henry Lewes: “نحن لا نستطيع أن نطلب من كل إنسان أن يكون له عمق غير عادي في فطرته، ولا نستطيع أن نطلب منه تجربة غير عادية، ولكننا نطلب منه أن يعطينا أحسن ما يستطيع، ولن يكون هذا أحسن شيئا يملكه غيره…”
-فكم من الناس قد فقدوا قيمتهم بكبتهم نفوسهم، وجريهم وراء غيرهم في أسلوبه وموضوعه؟
وهذا هو الذي يفسر أننا نرى الرجل كبيرا في ملكاته الطبيعية، واسع الثقافة كاملا في الفن، قد فاقه غيره بسبب أن الأول أقل صراحة وأضعف جرأة في التعبير عن نفسه. وبدون الإخلاص لا يمكن أن يوجد في النقد عمل حي. وميزة التجديد في النقد التي يدأب الناس في البحث عنها ليست في الجدة، ولكنها في الصدق. والإنسان سواء كان محيط تجربته وقوته الخاصة كبيرا أو صغيرا فإنه يجب أن يكتب عما تقوده إليه أقدامه، وأن يهتم بوصف ما عاشه هو وما رآه وفكر فيه وأحسه بصدق وأمانة، ونعني بالصدق أن يعبر عن إحساسه وشعوره لا عن إحساس غيره وشعورهم.
فأبو العتاهية مثلا حين عبر عن الزهد، وأبو نواس حين عبر عن هيامه بالخمر؛ إنما عبرا بصدق وإخلاص. فالرجل الصالح التقي الذي لم يتعرض يوما ما لعشق امرأة، والتغزل بها، لا يكون صادقا حين يقول الشعر في غزل الأنثى أبدا.
ليس الهدف من النقد الأدبي إعطاء مشروعية لظهور سلطة “رجال القلم” يوم كان النقد الأدبي شغل “رجال القلم” الشاغل، ثم أصبح خطابا تحليليا صارما يتجاوز حدود القارئ والعقل العادي. وأصبحت سلطته مسئولة عن البحث بصفة خاصة فيما يعكسه الأدب الحديث من خبرة اجتماعية معاصرة، وفي الأسلوب الذي تؤثر به الحياة الاجتماعية على موضوع الأدب وشكله ولغته. فالصراع القوى مستمر بين النقاد والمبدعين طوال تاريخ النقد الأدبي.
يرى شاعر القرن التاسع عشر والناقد الأول للأدب الحديث (ماتيو أرنولد) Matthew Arnold أن ممارسة السلطة الإبداعية تمثل أعلى وظيفة للإنسان. وبالتالي يكون لسلطة النقد وظيفة أقل في المستوى، الغرض منها رؤية الشيء كما هو في حد ذاته، داخل كل فروع المعرفة واللاهوت والفلسفة والتاريخ والفن والعلوم و… وبالتالي تكون مهمة النقد الأدبي تحديد أفضل ما تمت معرفته، والتفكير فيه على نطاق العالم، ونشر المعرفة به لخلق تيار من الأفكار الحقيقية والجديدة والمتجددة.
كان الهدف من هذا المبحث محاولة متواضعة للكشف عن كيفية قراءة نص نقدي يختلف في بنيته ودلالته عن النص الأدبي الذي له بعد جمالي مغاير لبعد النص النقدي المنحصر في المستوى المعرفي، والذي يدخل ضمن ما يصطلح عليه ميتا نقد. فلما أعلت الاتجاهات الما بعد بنيوية من سلطة القراءة والقارئ، ووضعت نظريات القراءة والتلقي علامة مساواة بين النقد والقراءة باعتبارها نشاط يسعى للحفاظ على الارتباط الوثيق بين النص والقارئ، وجد الناقد نفسه في مواجهة مع فعالية القراءة، وراح الاشتغال النقدي يتحدث عن وظيفة القراءة المعاينة لنص نقدي، ودور القارئ في مقاربة النص ومعاينته للمستوى المعرفي الذي يتأتى من خلال الاستعانة بمنهج نقدي. فالقراءة تتغير بتغير المقروء وبتغير الإستراتيجية الخاصة لكل قارئ.
















