عزيز باكوش
هل يُعقل أن تكون تلك القافلة الشبابية بالآلاف التي اندفعت نحو سبتة المغربية المحتلة عبر مدينة الفنيدق شمال المغرب قد وجدت الحل أخيرا، واستقرت واندمجت وضمنت مستقبلها؟ أبداً. ما حدث ليس بالضرورة بداية الخلاص بل قد يكون بداية متاعب ومأساة لا نعرف متى تنتهي. والمقال لم ينتهي بعد هاهي العودة التطوعية لأرض الوطن قد شرعت وتدفق الآلاف وفي حلوقهم غصة وندم .
قد يجد هؤلاء الشباب أنفسهم نائمين جوعا أو عطشا على قطع الكرتون، يفترشون الشوارع، ويكتشفون أن الأوهام ليست أحلاما، وأن نجاح بعض المهاجرين لا يعني بالضرورة أن التجربة نفسها ستنجح مع الجميع. سيذوقون مرارة مراكز الإيواء، وسيكتشفون العنصرية في أسمى معانيها مع مرور الأيام،وسيدركون قيمة الوطن الذي غادروه، كما اكتشفها آلاف سبقوهم إلى الطريق نفسه.
هناك في الغربة سيتعرضون إلى معان أخرى للحياة العنصرية والإهانة والاحتقار الحقيقي والكلمات الجارحة والطعام الرديء، والانتظار الطويل. وقد يبيتون لياليهم في ظروف قاسية، وسط الحشرات ويقفون في طوابير لقضاء أبسط حاجاتهم، وربما يجد بعضهم نفسه مضطرا إلى النوم في العراء.
الهجرة غير النظامية ليست بالضرورة طريقا إلى الخلاص، بل قد تكون انتقالا من معاناة معروفة إلى معاناة مجهولة. فالصورة الحالمة التي تدفع بعض الشباب إلى مغادرة الوطن قد تصطدم بواقع الإيواء الهش والعنصرية والإقصاء والبطالة والعيش في ظروف قاسية.
وعندما نقول ذلك ليس رفضا الهجرة بما تعنيه من رفض لعالم غير لائق بكرامة الإنسان نحو عالم أرحب خارج الحدود وليس باب التشفي والنكاية من المهاجرين المغاربة وغيرهم وإنما التحذير من تحويل الوطن إلى صورة قاتمة والمجهول إلى جنة متخيلة. فالمطلوب هو أن يجد الشباب أسبابا حقيقية لبناء مستقبلهم، بدل أن يصبح اليأس من الوطن وقودا لمغامرة قد تنتهي بمأساة.
ليس كل من غادر وصل، وليس كل من وصل نجح. فالهجرة قد تكون بداية حلم لكنها قد تكون أيضا بداية امتحان قاس للحياة والوطن والإنسان.
وتحت ضغط الحاجة واليأس، قد ينتهي الأمر ببعضهم إلى البحث عن أي وسيلة للبقاء، حتى تلك التي لم يكونوا يتصورون يوما أنهم سيلجؤون إليها. وهنا تحديدا يبدأ الاصطدام بين الحلم والواقع، وبين الصورة التي رسموها في مخيلتهم والحياة التي سيجدون أنفسهم في مواجهتها.
فهل سبتة المحتلة جنة للعمل والعيش كما يتخيلها البعض؟ وهل يكفي عبور الحدود لكي يصبح المستقبل مضمونا؟ إن النجاح الذي حققه بعض من سبقوا إلى الهجرة لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة عامة، لأن لكل إنسان ظروفه، ولكل رحلة نهايتها.
ولو أراد المغرب أن يخنق سبتة ومليلية المحتلتين اقتصاديًا، فإن مجرد وقف تدفق بعض السلع والبضائع، أو التضييق على الإمدادات التي تعتمد عليها المدينتان من محيطهما المغربي، كفيل بأن يكشف حجم ارتباطهما الاقتصادي بهذا المحيط، وأن يذكّر من غادروا بأن الوطن الذي تركوه خلفهم ليس مجرد مكان ينبغي الهروب منه، بل أرض تقوم عليها حياة واقتصاد ومصالح ومجتمع.ولا أقول هذا نكاية بأحد، ولا تشفيًا في هؤلاء الشباب.أقوله خوفًا عليهم، وحسرة على شباب غادروا وهم في أوج قوتهم: شبان أصحاء، أقوياء البنية، مفتولو العضلات، قادرون على العمل والعطاء، ولا ينقصهم في كثير من الأحيان سوى فرصة حقيقية، أو أمل مقنع، أو أفق يجعلهم يؤمنون بأن المستقبل يمكن أن يُبنى هنا أيضًا.
إن المأساة الحقيقية ليست في رغبة الإنسان في تحسين حياته؛ فذلك حق مشروع وطموح إنساني طبيعي. المأساة تبدأ عندما يتحول الوطن في مخيلة الشاب إلى جحيم، والمجهول إلى فردوس، وعندما تصبح قصص نجاح بعض المهاجرين وعدًا جماعيًا بالنجاة.
والهجرة، حين تتحول من حلم مشروع إلى وهم بالخلاص، قد تصبح مرضا يأكل صاحبه من الداخل، ويجعله يرى كل شيء بعيدا أجمل مما هو قريب. لهذا، فإن الحسرة ليست على شباب حلموا بحياة أفضل، وإنما على سياسية غير شعبية واختيارات ليست ديمقراطية وفساد عم البلاد والعباد .شباب دفعهم اليأس بعد كل هذا إلى مغادرة وطنهم قبل أن يمنحوه فرصة أخرى. وكلنا الله على من كان حيلة وسببا في دفع هؤلاء الشباب إلى هذا الطريق المظلم .


















