المسرح الافتراضي
د.عزيز زروقي
يعرف المسرح الافتراضي Virtual Théâtre بالمسرح الرقمي Digital Théâtre أيضا، وهو مختلف تماما عن المسرح التفاعلي Interactive Théâtre . إنه تلك الاستجابة الإبداعية التي تدمج الخبرة البشرية بالتقنية، مما يمنح للمسرح القدرة على التطور، وتجاوز حدود المكان والزمان التقليديين، وخلق لغة مسرحية جديدة. يمثل هذا المسرح تطورا فنيا باستخدام التقنيات الرقمية المتقدمة التي تتماشى مع عصر التكنولوجيا المتقدمة، وما بعد وباء “كورونا” بغية إنتاج سينوغرافيا رقمية ترقى إلى جودة وتأثير فن تشكيل الصورة المسرحية (السينوغرافيا)، وذلك بغية تحقيق أعلى درجات تفاعل العرض المسرحي، وتحقيق رسالته في المتعة الفنية والفكرية، وهندسة السلوك، وتجديد الخطاب المسرحي عبر التكنولوجيا.
ضمن المسرح التفاعلي إمكانية بث بعض العناصر أو تنفيذها عن بعد، إلا أن هذا النوع من المسرح ركز على التواجد المتزامن للعناصر الحية والعناصر المعالجة افتراضيا، مع الحفاظ عادة على بعض السمات الهيكلية المميزة للمسرح التقليدي؛ مثل: اللغة المنطوقة أو السرد النصي، مع دمج التقنيات الافتراضية ليس كمجرد دعم أو قطع ديكور، ولكن كجزء لا يتجزأ من الحدث السردي الفني الأساسي، وبدلا من التفاعل الكامل أو الانغماس في تجربة مسرحية شبيهة بألعاب الفيديو، والتي غالبا ما يحد المسرح الافتراضي من تفاعل المتلقي ليحتفظ الفريق الفني بالسيطرة الإبداعية على السرد والشكل الدرامي.
هناك تعريف لهذا اللون الجديد من المسرح يجعله أسلوبا ونمطا جديدا للكتابة المسرحية تتجاوز الفهم التقليدي لفعل الإبداع الأدبي الذي يتمحور حول المبدع الواحد، إذ يشترك في تقديمه عدة كتاب، كما يدعى القارئ (المتلقي) أيضا للمشاركة فيه، وهو مثال للعمل الجماعي المنتج الذي يتخطى حدود الفردية، وينفتح على آفاق الجماعية الرحبة.
تعريف آخر يرى أن المسرح الافتراضي هو المسرح الذي يوظف معطيات التقنية العصرية الجديدة المتمثلة في استخدام الوسائط الرقمية المتعددة في إنتاج وتشكيل خطاب مسرحي مقدم على خشبة المسرح، والذي يشاهده المتلقي (هنا والآن)، وهو يستثمر التقنيات الافتراضية التي من شأنها التحليق جماليا وفكريا في فضاءاته وعوالمه، ليتجلى فيها انفعال التلقي وانعكاسه على الذائقة بمختلف مستوياتها.
ورد في دليل (اليونسكو) Organisation des Nations unies pour l’éducation, la science et la culture أن المسرح التفاعلي مسرح للنشاط الاجتماعي بفعل ما يتيح للمتلقي من إمكانات التواصل والتفاعل والتفكير والتعبير والمناقشة.
من هنا نقول إن المسرح قد دخل مرحلة جديدة تخطت عالم الفردية إلى عالم الجماعية والتفاعلية، باعتماد تقنيات الحاسوب، وشبكة الاتصالات، ولاسيما تقنية النص المتفرع تحقيقا لنمط اللاخطية في الكتابة، فضلا عن إشراك المتلقي في مشاهد يكون بعضها ارتجاليا بعد الاتفاق على تيمة درامية ينطلق منها النص المسرحي. ويبقى العمل الإبداعي على هذه الشاكلة محلقا في الفضاء الافتراضي لشبكة الإنترنت، أو يكون على قرص مدمج أو كتاب إلكتروني، دون أن يلامس فضاء الورق.
أ- البدايات الأولى المسرح الافتراضي:
ترجع الإرهاصات الأولى لظهور المسرح الافتراضي إلى التجربة الرائدة التي قام بها (تشارلز ديمير) Charles Widmore، والذي يعد الرائد الأول لهذا المسرح التفاعلي؛ حين ألف أول مسرحية رقمية تفاعلية سنة 1985م، مما يفيد أنه أول من ساهم في إنتاج هذا الجنس الأدبي الإلكتروني.
في إمكاننا وفي عرض مبسط توضيح عملية قراءة مسرحية “النورس البحري” The Seagull للكاتب المسرحي وكاتب القصص القصيرة الروسي، وأعظم الكتاب على الإطلاق (أنطون بافلوفيتش تشيكوف) Anton Tchekhov والتي قام (تشارلز دميري) Charles Deemer بتحويلها إلى مسرحية تفاعلية رقمية Hyperdrama، حيث حولها إلى صيغ PDF وربطها عبر الروابط التشعبية بعد إحداث تعديلات عليها ووضعها في موقع ليتفاعل معها المتلقي، فزودها بمفاصل وعقد تمكن هذا المتلقي أن يبحر في أي فصل من فصولها على الخيار، فينتهي بما لا ينتهي به متلق آخر. وهذا ما يمنح النص حيوية ويجعله أكثر تميزا عن النص التقليدي المائل إلى الثبات. وكل ذلك بالتزامن مع ظهور أول رواية افتراضية بعنوان (الظهيرة) ل (مايكل جويس) Michael Joyce سنة 1986م.
توالت أعمال (تشارلز ديمير) Charles Deemer في مجال المسرح الافتراضي عبر تقديم العديد من العروض المسرحية الافتراضية التي تفاعل معها كثير من المتلقين من القراء، والمبدعين المهتمين بالكتابة الدرامية من مختلف أنحاء العالم.
ب-المسرح الافتراضي العربي:
عرف المسرح الافتراضي في الثقافة العربية تأخرا مقارنة بنظيره الغربي، حيث كانت البداية عام 2005م بتقديم عرض مسرحي بعنوان (مسرح عبر الإنترنت)، بتضافر جهود العديد من المسرحيين العرب أبرزهم آنذاك المخرج والممثل العراقي حازم كمال الدين.
ثم جاءت التجربة المسرحية الثانية عام 2006م على يد الكاتب المسرحي العراقي محمد حسين حبيب بتقديم عرضه المسرحي الافتراضي (مقهى بغداد)، الذي اعتمد في إبداعه على تقنية النص المترابط، أو التفاعلي.
بعد ذلك توالت الأعمال في مجال العرض الافتراضي من خلال العديد من التجارب المسرحية الافتراضية في العالم العربي؛ في لبنان ومصر والمغرب من خلال أعمال العديد من المسرحيين العرب الذين نذكر منهم: ربيع مروة، حازم كمال الدين، يوسف الريحاني، داليا بسيوني، والمخرج المسرحي المغربي: مسعود بوحسين الذي قدم تجارب هجينة ورائدة من أبرزها مسرحية “عن بعد” حيث اعتمد على دمج الواقعي بالافتراضي وتقنيات الصورة الرقمية. والمخرج المسرحي رشيد العلوي الذي ساهم خلال فترة الحجر الصحي في تقديم فقرات تشخيص مسرحي افتراضي مباشر عبر منصات التواصل، وغيرهم ممن أبدعوا في هذا اللون المسرحي الجديد.
في المقابل، نجد في الساحة الأدبية والفنية العربية من اختص في هذا المجال، كالناقدة المغربية فاطمة الربيكي التي قالت كلمتها في المسرحية الافتراضية ﻋﻨﺩ ﺘﺭﺠﻤﺘﻬﺎ ﻟﻠﻤﺼﻁﻠﺢ ﺍﻷﺠﻨﺒﻲ Drama Intractive ؛ حيث وضعت مصطلحا للمسرحية الافتراضية، ﻭﺤﺎﻭﻟﺕ ﺃﻥ ﺘﻘﺩﻡ ﺘﻌﺭﻴﻔﺎ ﺠﺎﻤﻌﺎ ﻤﺎﻨﻌﺎ، ﻭﺫﻟﻙ ﺒﻘﻭﻟﻬﺎ: ﻫﻲ ﻨﻤﻁ ﺠﺩﻴﺩ ﻤﻥ ﺍﻟﻜﺘﺎﺒﺔ ﺍﻷﺩﺒﻴﺔ ﻴﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﻔﻬﻡ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺩﻱ ﻟﻔﻌل ﺍﻹﺒﺩﺍﻉ الأدبي، ﺍﻟﺫﻱ ﻴﺘﻤﺤﻭﺭ ﺤﻭل ﺍﻟﻤﺒﺩﻉ ﺍﻟﻭﺍﺤد، ﺇﺫ ﻴﺸﺘﺭﻙ ﻓﻲ ﺘﻘﺩﻴﻤﻪ ﻜﺘﺎﺏ ﻋﺩﺓ ﻜﻤﺎ ﻗﺩ يدعي ﺍﻟﻘﺎﺭﺉ ﺍﻟﻤﺘﻠﻘﻲ أيضا المشاركة فيه، ﻭﻫﻭ ﻤﺜﺎل ﺍﻟﻌﻤل ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﻲ ﺍﻟﻤﻨﺘﺞ الذي ﻴﺘﺨﻁﻰ ﺤﺩﻭﺩ ﺍﻟﻔﺭﺩﻴﺔ، ﻭﻴﻨﻔﺘﺢ ﻋﻠﻰ ﺁﻓﺎﻕ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﺭﺤﺒﺔ.
ﺃﻤﺎ ﺍﻷﺴﺘﺎﺫﺓ ﺍﻟﺴﻭﺭﻴﺔ ﻤﺎﺭﻱ ﺇﻟﻴﺎﺱ ﻓﺘﺭﻯ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺴﺭﺡ ﺍلافتراضي ﻫﻭ ﻤﺴﺭﺡ ﻴﺘﻭﺠﻪ ﻟمتلقيه ﺒﻤﻭﻀﻭﻉ ﻤﺤﺩﺩ، ويطرح أسئلة، ﻭﻴﺒﺤﺙ ﻋﻥ ﺍﻷﺠﻭﺒﺔ ﻤﻊ ﺍﻟمتلقي ﻤﻬﻤﺎ ﻜﺎﻥ عمره؛ (أطفال، اليافعون، كبار)، ﻷﻨﻪ ﻗﺎﺌﻡ ﻋﻠﻰ ﻤﺒﺩﺃ ﺍﻟﺘﻔﺎﻋل ﺒﻴﻥ ﺍﻟﻤﻤﺜل والمتلقي، ﻓﻬﻭ ﻴﺘﻌﺎﻤل ﻤﻊ ﺍﻟﻤﺘﻔﺭﺝ ﺒﻁﺭﻴﻘﺔ ﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﻋﻨﺩﻤﺎ ﻴﺤﺩﺩ ﺴﻠﻔﺎ ﻨﻭﻋﻴﺔ ﻫﺫﺍ المتلقي، ﻭﻴﺘﻭﺠﻪ ﺇﻟﻴﻪ ﻤﺒﺎﺸﺭﺓ ﻤﺩﺭﻜﺎ ﻤﺎ ﻴﺭﻴﺩﻩ ﻤﻨﻪ. ﻟﻬﺫﺍ ﻓﺈﻥ ﻋﻼﻗﺘﻪ ﺒﺎﻟﻤﺅﺴﺴﺔ ﻭﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻭﻜل ﻤﻜﻭﻨﺎﺕ ﺍﻟﻌﺭﺽ ﺍﻟﻤﺴﺭﺤﻲ ﺘﺨﺘﻠﻑ ﺠﺫﺭﻴﺎ ﻋﻥ ﺍﻟﻤﺴﺭﺡ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺩﻱ. فالمسرح الافتراضي ﻫﻭ المسرح البسيط (ﻤﺴﺭﺡ ﺍﻟﻔﻘﺭﺍﺀ)، ﻻ ﻴﺤﺘﺎﺝ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺎﻟﺏ ﺇﻟﻰ ﻭﺴﺎﺌل ﺍﻟﻤﺴﺭﺡ، ﺒل ﻴﻘﺩﻡ ﺒﺩﻭﻥ ﺨﺸﺒﺔ، ﻭﻴﻘﻭﻡ ﻋﻠﻰ أسس ومحددات أجملها فيما يلي:
-أولا: إعادة تشكيل دور المخرج الذي يتحول إلى مدير تقني وفني يدمج التكنولوجيا والإبداع الإنساني، مركزا على إثراء العرض فنيا وفكريا لإنتاج عرض حي يتشارك نفس مساحته المادية بعض المؤدين، والمتلقي للتأثير في مسار العرض، والتحول من مستهلك سلبي للمعلومات، إلى متأمل مشارك في تفاعل محكم محدود على عكس نماذج الأداء التشاركي المفتوح.
-ثانيا: الاستخدام المركزي للتكنولوجيا الافتراضية؛ مثل: العرض، والتقاط الحركة، والواقع الافتراضي، والفيديو المباشر، باعتبارهم أمورا أساسية لجماليات العرض المسرحي ومعناه.
-ثالثا: يعتمد على الوسائط الافتراضية؛ الفيديو، والبرمجيات كعناصر فعالة في السرد، إذ يتميز العمل بعنصر سردي يتم نقله من خلال النصوص أو الكلام أو التسجيلات، ولكنه قد يعبر أيضا عن السرد من خلال تضمين الموسيقى والرقص وعناصر التركيب.
ومع ذلك، قد يتم تقويض هذه التصنيفات أو توسيعها حيث يقوم صناع المسرح المعاصرون بشكل متزايد بطمس الحدود بين الأشكال الجمالية، متجنبين القيود الشكلية التي ميزت التقاليد السابقة؛ مثل: الوحدات الثلاث عند (أرسطو) Aristote لمسرح الدراما الكلاسيكي؛ وهي كالآتي:
-وحدة الزمن: التي تعبر عن الفترة الزمنية التي يقتصر عليها الحدث أو الفعل المسرحي، والمحصورة في يوم واحد؛ لأن المتلقي قد لا يصدق حدث المسرحية إذا كان ممتدا على سنوات عدة أو شهور، لذلك تم تقليص المدة إلى يوم واحد.
-وحدة المكان: تغير المشاهد في الأعمال المسرحية أمر شائع، ولكن (أرسطو) Aristote اقترح مكانا واحدا، بحيث يقتصر الممثل على أداء عرضه في منطقة واحدة، وإذا اضطر إلى تغييره فإن هذا التغيير لا يكون بعيدا.
-وحدة العمل: يكون للمسرحية هدف ومبدأ واحد تسير فيه الأحداث جميعها نحو تحقيقه، حيث تكون الحبكة واضحة في بدايتها وتعقيدها ونهايتها، فلا يختلط الأمر على المتلقي في تحديد الحبكة وفهمها. وتعود أهمية وحدة العمل في تجميع أجزاء المسرحية في وحدة واحدة؛ فبدون هذا المبدأ ستكون الأحداث مبعثرة.
ت-خصائص المسرح الافتراضي:
يحمل المسرح الافتراضي عددا من الخصائص والسمات التي جعلته مختلفا عن فن المسرح التقليدي، ويمكننا عقد مقارنة بسيطة بينه وبين المسرح المتعارف عليه انطلاقا من هذه الخصائص:
-العروض الافتراضية الخالصة: تتحطم فيها قواعد الوحدات الثلاث والبناء الدرامي، وتختفي فيه الأزمنة والأمكنة الواقعية، ويظهر (الممثل الافتراضي) بدلا عن الممثل الحي، فتبرز كائنات افتراضية ذات ذاكرة محوسبة وسط عوالم افتراضية.
-تغير دور المتلقي: يكسر الطابع التقليدي السكوني للمتلقي، ويمنحه فسحة المشاركة، والتفاعل والنقاش، واختيار المشاهد والتنقل بحرية.
-غلبة حضور الذات أمام هيمنة الآخر: غايته ليست تصدير مواهب تمثيلية فقط، بل خلق تواصل وحوار حقيقي بين الناس، والتخلص من المتفرج الملَقن الصامت.
– الركح المسرحي الجديد: تقدم عروض المسرح الافتراضي في بيئات حقيقية (غابة، فندق، مطعم، قصر، باخرة، محمية، جبل…) بدلا من صالات المسرح التقليدية.
-ارتفاع عدد الشخصيات: تعتمد كل الشخصيات على مبدأ اللعب والارتجال، ويصبح وجودها ضروريا للحفاظ على متعة المتلقي.
-اختقاء الكواليس: يتم الاستغناء عن مداخل ومخارج الممثل، والاكتفاء بنقاط دخول وخروج افتراضية، كما يتم الاستغناء عن المشاهد والمناظر والفصول التقليدية، والاكتفاء بوصف طبيعة الزمن لبداية الحدث الدرامي.
كان المسرح دوما مرتبطا بالمجتمع، متفاعلا مع هموم وأحلام كل الطبقات، ومتأقلما مع كل المستجدات والتحديات التي يعرفها العالم، لهذا ووعيا من هذا المهرجان الفتي، وبهذه الحقيقة، فقد تمحورت دورته حول موضوع آني ومستجد باستمرار في مجال الإبداع المسرحي الافتراضي.
















