صدر حديثاً كتاب «نهر العفاريت» للكاتب الحسن بلعربي، ليضيف إلى تجربته الأدبية عملاً سردياً يزاوج بين الحكاية الرمزية والتأمل الإنساني، ويستعيد من خلاله عوالم الطفولة والذاكرة وأسئلة الوجود التي ترافق الإنسان في مختلف مراحل حياته.
ومن خلال ثلاث وعشرين قصة قصيرة تتوزع بين عوالم الحيوان والطفولة والقرية والذاكرة، ينسج الكاتب عالماً أدبياً تتجاور فيه متعة الحكي مع التأمل العميق في مصائر البشر وما يرافقها من خوف وأمل وفقد وحنين.
في القسم الأول من الكتاب، تستعيد الحكاية الرمزية حضورها العريق، حيث تتكلم الحيوانات بلغة الحكمة وتتحول الكائنات إلى رموز شفافة تكشف جوانب متعددة من الطبيعة الإنسانية. فالسلحفاة واللقلاق والسمكة والفيل ليست سوى وجوه أخرى للإنسان وهو يختبر الصبر أو الغرور، الحكمة أو التسرع، التعاون أو الأنانية. غير أن هذه الرمزية لا تظل حبيسة المجاز، بل تنفتح تدريجياً على فضاء أكثر قرباً من الواقع، حيث تحضر الذاكرة الريفية المغربية بكل تفاصيلها الحميمة: المدرسة الأولى، ودهشة القراءة، وأحلام الطفولة، وتجارب الرحيل، والعلاقة المبكرة بالمعرفة.
ويكتب الحسن بلعربي بلغة هادئة ومقتصدة، لكنها مشبعة بحساسية إنسانية تجعل من التفاصيل العابرة مادة للتأمل. فلا يركن إلى الخطابة أو الوعظ المباشر، بل يترك الحكاية تؤدي رسالتها في هدوء، مستنداً إلى قوة الصورة وصدق التجربة. ومن بين السطور تتسلل قيم الرحمة والوفاء والتواضع، لتمنح النصوص دفئها الخاص وأثرها الباقي.
ولا تبدو قصص «نهر العفاريت» مجرد نصوص مستقلة يجمعها غلاف واحد، بل تتآلف فيما بينها لتشكل سيرة وجدانية غير معلنة، تحتفي بالأماكن الأولى وبالأشخاص الذين يتركون بصماتهم في الذاكرة، وباللحظات الصغيرة التي تصنع الإنسان على مهل. إنها كتابة تستخرج المعنى من التفاصيل البسيطة، وتعيد الاعتبار لما يبدو عابراً في الحياة اليومية.
في هذا العمل، ينجح الحسن بلعربي في استلهام روح الحكاية الشفوية وإعادة صياغتها ضمن رؤية سردية معاصرة، تجمع بين بساطة التعبير وعمق الدلالة. وهكذا يجد القارئ نفسه أمام نصوص تدعوه إلى التوقف والتأمل، وإلى الإصغاء لما يبقى ثابتاً وسط تحولات الزمن: الذاكرة، والمعرفة، والمحبة.
وسيكون الحسن بلعربي حاضراً لتوقيع كتابه «نهر العفاريت» يوم 13 يونيو 2026 ضمن فعاليات الدورة الخامسة والثمانين للمعرض الدولي للكتاب بمدريد، المقام في متنزه الريتيرو، حيث يلتقي قراءه ويقدم لهم عملاً يجعل من الحكاية جسراً نحو الذات والإنسان والعالم.
















