حينما استشرتُ المهندس أشرف الرواني عن أفضل وسيلة للوصول إلى منطقة الرين هذه المدينة الفرنسية التي يقيم بها أحد أعز أصدقائي، رفيق الطفولة وذكريات الشباب، والتي كنت متوجها إليها تلبية لدعوته ورغبتي لم يتردد في إسداء النصح بحكم تجربته الطويلة في فرنسا، البلد الذي وطئت قدماه ترابها وهو لم يتجاوز الثامنة من عمره، كان حديثه نابعا من معرفة دقيقة بتفاصيل السفر والتنقل بين المدن.
قال لي مبتسما: “أمامك خياران للوصول إلى وجهتك من فارمونتي Faramontiers إلى الرين Rennes، لكن هناك خيارا أراه مثاليا” كان يتحدث بثقة العارف المجرب، الأمر الذي جعلني أقبل اقتراحه دون أن أستفسر كثيرا عن التفاصيل. فقد بدا لي أن سنوات الخبرة التي راكمها كافية لأن أضع ثقتي كاملة في رأيه.
وما إن شرع في شرح مزايا ذلك الخيار حتى اتضحت الصورة أمامي أكثر رحلة مريحة قد تكون طويلة نسبيا لكنها بتكلفة معقولة، وتنظيم يختصر كثيرا من العناء. عندها لم أتردد لحظة، فسارعت إلى حجز تذكرتي عبر قطار “ويغو” العادي AUSTERLITS – GARE DE L’EST – مقتنعا بأن حسن الاختيار نصف الرحلة. وهكذا اتخذت قراري دون قيد أو شرط، مؤمنا بأن أجمل الأسفار ليست تلك التي تقاس بالكيلومترات، بل تلك التي تقودنا إلى أشخاص احتفظوا بمكانتهم في القلب رغم تعاقب السنوات وتباعد الأمكنة.
كان علي تنسيم الرحلة بقراءة الجزء الثاني من رواية – الجريمة والعقاب للسامق دوستويفسكي. وبدا لي ذلك ضروريا لقطع مسافة تقارب 400كلم مرورا بثلاث مدن بمحطات كبرى هي chartres- le mans – laval – rennes قبل الرين في حوالي خمس ساعات تقريبا . مستمتعا بمشاهدات كلها خضرة وطبيعة تهاجر كل الفصول إلى ربيع أخضر طوال العام .
تقع مدينة الرين Rennes غرب باريس وتبعد عنها أربع ساعات ونصف بالقطار الكلاسيكي وساعة ونصف إلى ساعتين بالقطار السريع عن Paris. وتعتبر مدينة الرين الثانية في فرنسا من حيث فرص الشغل. كما تُعدّ عاصمة إقليم Brittany بروتاني في غرب فرنسا، وإحدى أكثر المدن الفرنسية دينامية من حيث التعليم العالي والتكنولوجيا وجودة الحياة. تقع عند ملتقى نهري إيل وفيلاين.
يعود أصل المدينة إلى قبيلة سلتيّة تُدعى “الريدون”، ثم أصبحت مركزاً مهماً خلال العهد الروماني. وفي العصور الوسطى نافست مدينة Nantes على زعامة بريتاني، قبل أن تصبح مقرا لبرلمان بريتاني التاريخي. كما شهدت حريقاً مدمراً سنة 1720 أدى إلى إعادة بناء جزء كبير من المدينة وفق تخطيط عمراني حديث نسبيا لتلك الفترة.
ووفقا للبيانات الرسمية للمدينة يبلغ عدد سكان المدينة نفسها حوالي 220 إلى 225 ألف نسمة، بينما يتجاوز عدد سكان المنطقة الحضرية الكبرى 700 ألف نسمة. وتُعد من أسرع المدن الفرنسية نموا. تشتهر رين بكونها مدينة شبابية، إذ تضم عشرات الآلاف من الطلبة بفضل جامعاتها ومؤسساتها العليا، ومنها University of Rennes وRennes 2 University. لذلك تتميز بأجواء ثقافية وفنية نشطة على مدار السنة. ومن أهم المعالم السياحية بها:
Parlement de Bretagne: أحد أبرز رموز المدينة التاريخية. Parc du Thabor: من أجمل الحدائق العامة في فرنسا. Les Champs Libres: مجمع ثقافي يضم متحفا ومكتبة وفضاءات علمية. المدينة القديمة ذات البيوت الخشبية الملونة التي تعود إلى القرون الوسطى. Portes Mordelaises: البوابة التاريخية لدوقات بريتاني.
رين ليست مدينة سياحية فقط، بل تُعد مركزا مهما للتكنولوجيا الرقمية والاتصالات والبحث العلمي. كما أنها من المدن الفرنسية الرائدة في مجال الابتكار والتقنيات الحديثة، وتستقطب العديد من الشركات الناشئة والمهندسين.
مدينة آمنة نسبيا وذات جودة حياة مرتفعة. شبكة نقل حضري متطورة تشمل مترو الأنفاق، وهو أمر نادر في مدينة بهذا الحجم. قريبة من الساحل ومدن جميلة مثل Saint-Malo وMont-Saint-Michel. تجمع بين الطابع البريتوني التقليدي والحداثة التكنولوجية.
والحقيقة فإن رين تُعد وجهة سياحية ممتازة ولا تقتصر الرحلة على يوم واحد أو عطلة نهاية أسبوع بل لأكثر من أسبوع خصوصاً لعشاق المدن التاريخية الهادئة والحدائق الجميلة والثقافة البريتونية الأصيلة.
عزيز باكوش الرين 31 ماي 2026
















