في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تهز طرق إمدادات الطاقة العالمية، تجد أوروبا نفسها أمام تحد حقيقي لتأمين حاجياتها من الغاز. وبين تقلبات أسواق الغاز الطبيعي المسال واعتمادها على موردين جدد، يبرز مشروع أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا كخيار استراتيجي قادر على إعادة رسم الخريطة الطاقية بين إفريقيا وأوروبا.
ففي سياق دولي متوتر، خاصة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتأثيرها المباشر على طرق إمدادات الطاقة، تواجه أوروبا معضلة حقيقية تتعلق بأمنها الطاقي. هذه الهشاشة لم تظهر فقط اليوم، بل تعود جذورها إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا، التي كشفت عن مدى اعتماد القارة الأوروبية على الغاز الروسي.
منذ تقليص هذا الاعتماد بشكل تدريجي، اضطرت الدول الأوروبية إلى البحث عن بدائل سريعة، فكان التوجه نحو الغاز الطبيعي المسال، خاصة من الولايات المتحدة وقطر. غير أن هذا الخيار، رغم أهميته، يظل مكلفا وغير مستقر، ويخضع لتقلبات السوق العالمية، فضلا عن المنافسة الشديدة من الدول الآسيوية التي تتمتع بمرونة أكبر في التفاوض وتأمين الإمدادات.
هذا الوضع أظهر أن استبدال مورد بآخر لا يحل المشكلة من جذورها، خصوصا مع استمرار تعرض سلاسل الإمداد لمخاطر جيوسياسية، خاصة عبر الطرق البحرية الحساسة. وهو ما يفرض على أوروبا البحث عن حلول أكثر استدامة وأقل عرضة للاضطرابات.
في هذا الإطار، يبرز مشروع أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا كخيار استراتيجي طويل الأمد. فهو يهدف إلى ربط احتياطات الغاز في غرب إفريقيا بالمغرب، ومنه إلى أوروبا عبر الربط القائم مع إسبانيا. ويتميز هذا المشروع بكونه يعتمد على النقل عبر الأنابيب البرية والساحلية، مما يقلل من الاعتماد على النقل البحري ويعزز استقرار الإمدادات.
ويمتد هذا الأنبوب على مسافة تتراوح بين 5600 و6000 كيلومتر، بطاقة سنوية تصل إلى 30 مليار متر مكعب، وبتكلفة تقديرية تبلغ 25 مليار دولار. وقد بدأ بالفعل يثير اهتمام قوى دولية كبرى، من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إلى جانب مؤسسات استثمارية عالمية.
ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على الجانب الطاقي فقط، بل يتعداه إلى بعد تنموي مهم، إذ سيمر عبر نحو خمسة عشر بلدا في غرب إفريقيا، مما سيساهم في تعزيز التنمية الاقتصادية، وتحسين الولوج إلى الطاقة، ودعم الاندماج الإقليمي.
ويحتل المغرب موقعا محوريا في هذا المشروع، بفضل استقراره السياسي وموقعه الجغرافي الاستراتيجي، إضافة إلى علاقاته القوية مع أوروبا ودوره المتنامي في القارة الإفريقية. كما أن الربط الطاقي القائم بين المغرب وإسبانيا يمنح هذا المشروع ميزة إضافية من حيث سرعة وفعالية نقل الغاز إلى أوروبا.
الاعتماد على المغرب كشريك أساسي يمنح أوروبا ضمانات مهمة، سواء من حيث استمرارية الإمدادات أو الموثوقية في تنفيذ الالتزامات، فضلًا عن دوره كفاعل رئيسي في التعاون جنوب–جنوب.
ورغم التوجه العالمي نحو الطاقات المتجددة، يظل الغاز الطبيعي مصدرًا أساسيًا في المرحلة الانتقالية، نظرًا لكونه أقل تلويثًا مقارنة بغيره من الوقود الأحفوري. ومن هذا المنطلق، فإن مشروع أنبوب الغاز المغرب–نيجيريا لا يمثل مجرد حل ظرفي، بل رؤية استراتيجية متكاملة تجمع بين الأمن الطاقي والتنمية المستدامة.
في عالم يعاد فيه تشكيل موازين الطاقة، قد يتحول هذا المشروع إلى ركيزة أساسية لشراكة طاقية جديدة بين إفريقيا وأوروبا.

















