أجج وزير الفلاحة أحمد البواري سخط المغاربة بتصريح عقب الاجتماع الأخير للحكومة، حيث اعتبر أن « هذا العرض الذي يقدر بـ 8 إلى 9 ملايين رأس من الأغنام والماعز سيمكنمن تلبية كافة حاجيات المواطنين والمواطنات بمختلف جهات المملكة، التي تتراوح عادة بين 6 و7 ملايين رأس»، مؤكدا أن «الأسواق تشهد وفرة كبيرة وتنوعا في الاختيارات من حيث السلالات، الأحجام والأسعار لتناسب مختلف الفئات»، مردفا: «كولشي مُوجودْ وإن شاللهكلشيغايْعَـيّد حسب قدرته». وجاءت ردود الفعل على هذا التصريح المستفز لتعبر عن غضب عارم امتلأت به منصات التواصل الاجتماعي ، متسائلة عن أي قدرة شرائية يتحدث هذا الوزير إذا كان أصغر خروف في السوق يباع ب 3000 درهم ومعظم المغاربة البسطاء الذين كانوا يضحون بخرفان تتراوح بين 1500 و 2500 حائرون اليوم بعد أن بات خروف ال 2500 مفقودا في الأسواق؟
وتواجه الحكومة موجة سخط وانتقادات متصاعدة مع استمرار الارتفاع القياسي في أسعار أضاحي العيد، وهو ما اعتبره مراقبون ومستهلكون مؤشرا على فشل السياسات العمومية في تدبير ملف القطيع الوطني وتطويق تداعيات التضخم، رغم ضخ عشرات المليارات من الدراهم كدعم مالي مباشر وإعفاءات ضريبية للاستيراد منذ عام 2023.
ولم تفلح هذه الحزم المالية الضخمة، التي أكدتها البيانات الرسمية، في توفير عرض يضمن للمغاربة اقتناء خروف العيد بأسعار تتلاءم مع قدرتهم الشرائية، مما أثار جدلا واسعا حول نجاعة الدعم الحكومي ومصداقية الأرقام الرسمية المعلنة بشأن حجم الثروة الحيوانية في البلاد. فما جدوى 42 مليار درهم (4200 مليار سنتيم !!) من الدعم العمومي الذي اكدته البيانات الرسمية للحكومة (15+7+9+11 مليار درهم منذ 2023 إلى 2026) إذا كان ثمن الخروف الحي يفوق 80 درهما للكيلوغرام أي أن الخروف الصغير الذي لا يتعدى وزنه 50 كيلوغراما يباع اليوم ب 4000 درهم في حين لم يكن ثمنه في عز الجفاف يزيد عن 2500 درهم.
وبينما تردد الحكومة خطاب الوفرة وتؤكد جاهزية الأسواق لاستقبال عيد الأضحى، تعكس جولات ميدانية في أسواق العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء ومدن مغربية أخرى واقعا مغايرا تماما، حيث يجمع بائعو الأضاحي على عبارة موحدة تختصر أزمة السوق الحالية وهي «الغنم موجودة ولكن كاين الثمن» ؟ !!. وتكشف هذه التناقضات عن اختلال واضح في منطق السوق التقليدي، إذ يفترض من الناحية الاقتصادية أن يؤدي ارتفاع العرض وزيادة الوفرة إلى انخفاض تدريجي في الأسعار أو استقرارها على الأقل، لكن المنحى التصاعدي المستمر للأسعار يضع فرضية الوفرة المزعومة محط تساؤل كبير لدى الشارع المغربي.
وتقترن هذه الأزمة بلغة الأرقام التي تروجها الدوائر الحكومية والتي باتت تثير تساؤلات حارقة حول مصداقية المعطيات الإحصائية الصادرة عن المصالح المختصة، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن القطيع الوطني يتجاوز حاليا 32.8 مليون رأس من الماشية، ومع ذلك يستعصي على الأسواق تسجيل أي هبوط في الأسعار. ويرى خبراء اقتصاد أن هذا الوضع يتناقض والمنطق التجاري السليم، خاصة عند مقارنة المرحلة الحالية بسنوات ماضية كان فيها حجم القطيع الوطني لا يتعدى 15 مليون رأس، ولم يكن ثمن الخروف الصغير يتجاوز حينها 2000 درهم، في حين يصل سعر الخروف الذي لا يتعدى وزنه 50 كيلوغراما في الأسواق اليوم إلى قرابة 3500 أو 4000 درهم، ليتجاوز سعر الكيلوغرام الواحد من اللحم الحي حاجز 80 درهما. ويؤكد هذا الفارق الشاسع في تقييم الأسعار، مقارنة بفترات الجفاف الحاد السابقة التي كان يباع فيها الخروف نفسه بنحو 2500 درهم، أن جذور الأزمة الراهنة لا تنحصر فقط في العوامل المناخية أو شح الأمطار، بل تمتد لتشمل أزمة تدبير سياسي سمحت للوسطاء والمضاربين بالسيطرة على مفاصل سلاسل التوزيع والتحكم في الأسعار تحت غطاء من التصريحات الحكومية التي يرى فيها منتقدون حماية معنوية لأرباح أولئك الوسطاء على حساب جيوب المواطنين.
الكاتب : عماد عادل









